السبت، 15 ديسمبر 2018

الرحّالة أندرو كرايتون يتحدث عن حرب إبراهيم باشا لبلدة الرس عام 1232هـ.


# كتاب(تاريخ الوهابيين وحياة العرب الاجتماعية) تاليف:أندرو كرايتون. ترجمة الدكتور عبدالله بن صالح العثيمين. دارة الملك عبدالعزيز بالرياض. عام 1434هـ. قال:
الحرب في الجزيرة العربية:
يقول المؤلف (ص 85) بعدما تحدث عن العمليات الحربية لمحمد علي باشا في جنوب الجزيرة (وتُرَكت بقية الحرب في الجزيرة العربية عند ذاك في يد طوسون باشا, الذي كان قد وجّه عمليات في الشمال ضد عبدالله بن سعود حينما كان أبوه يخضع القبائل الجنوبية. وعندما أصبح نجاح محمد علي معروفا عند العرب على حدود نجد قدم كثير من زعمائهم إلى المدينة. واقترحوا على طوسون أن ينضموا إليه ضد الوهابيين الذين عانوا من قوتهم أكثر مما عانوا من الآخرين البعيدين بدرجة كبيرة. وبتلك التأكيدات صارت لديه آمال في إخضاع منطقة نجد ومنافسة أبيه في الشهرة. وانطلق في حملة صغيرة مكونة من (2500) رجل مشاة وفرسانا, وقرر أن يجرّب حظه بالهجوم على القصيم, وبعد مسيرة عشرة أيام أو أحد عشر يوما وصل إلى الرس, وهي بلدة ذات شأن, محاطة بسور للدفاع عنها, وأبدت تلك البلدة مع عدة قرى كبيرة خضوعها له. لكنه وجد نفسه هناك في وضع غير ثابت. فقد اكتشف أنه ـ مثل أكثر الأتراك ـ لم يُقدّر وسائله تقديرا كافيا, فجنود الوهابيين الخفيفة الحركة كانوا يتجوّلون من حوله, وقد جعلوا جيشه كله معتمدا على قريتين أو ثلاث قرى, للحصول على حاجاتهم اليومية, والطريق إلى المدينة كان مُحتلا من قبل العدو, وفي تلك المناسبة أحاطت بالشجاع توماس كيث قوة كبيرة, بينما كان مسارعا بخمسين ومئتي فارس لنجدة قائده, وسقط مع جنوده الذين مُزّقوا إربا. وفي ذلك الحدث قتل الاسكتلندي الشجاع أربعة من الأعداء بيده.
تصدي عبدالله بن سعود لطوسون:
ثم يكمل المؤلف (ص 87) (وفي أثناء ذلك لم يهمل عبدالله واجبه, إذ دخل هو الآخر بجيشه منطقة القصيم واتخذ قاعدة له بلدة الشنانة, التي لا تبعد إلا خمس ساعات فقط عن بلدة الخبراء, حيث خيّم طوسون. وفي تلك الورطة رغب الباشا المغامر أن ينهي حالة القلق والترقب بالدخول في معركة. لكن ضباطه وجنوده رأوا أن من الحكمة لمن هم في وضعهم أن يصطلحوا بدلا من الحرب. وكان محمد علي قد كتب أيضا إلى عبدالله قبل مغادرة الحجاز, حاثا إياه على الطاعة وعرض عليه شروطا للسلم, وفي الوقت نفسه خوّل ابنه أن يتوصل إلى هدنة معه إذا أمكن. تحقيق ذلك بشروط مناسبة له. وكان عبدالله ـ من جانبه ـ لديه أسباب لإيصال الأمور إلى نهاية هادئة. فقد رأى أنه حتى تحطيم قوة طوسون كلها سيكون ذا فائدة حقيقية قليلة بالنسبة له. طالما أن الأتراب في إمكانهم أن يعوضوا خسائرهم من المصادر الكثيرة في مصر. وعلم أيضا أنهم يمتلكون وسائل الرشوة, وأن بعضا من رفاق سلاحه كانوا في قرارة نفوسهم حلفاء لأعدائه.
وسرعان ما توصل الطرفان إلى اتفاق تنازل بموجبه عبدالله عن كل إدعاء بالمدن المقدسة, ورضي بأن يلقب نفسه بالتابع المطيع للسلطان, وأن تكون الطريق مفتوحة بحرية أمام الوهابيين لأداء الحج متى رغبوا ذلك. وأعاد طوسون بلدان القصيم التي استولى عليها, وفصل من جيشه كل الزعماء الذين انضموا إليه من أهل تلك المنطقة. وتُبودِل التصديق على الاتفاق باحتفاء لائق. وكانت كلمات بيانه الذي اعترف فيه زعيم الصحراء بتبعيته للباب العالي كما يأتي: "إلى طوسون إني أقف أمام أبواب رحمتك ـ أيها السيد ـ وأسأل عفو الله وعفو سموك, وأرغب أن أُقبل في عداد رعايا السلطان المؤمنين, ومن هذا اليوم فصاعدا سأطيع أوامره بالدعاء لشخصه الجليل في كل يوم جمعة في مساجدنا وفي أعالي الجبال. وأخيرا من جانبنا لن تكون هناك أي محاولة للعصيان, وعندما قُرئ ذلك على الجيش الوهابي  صاحوا بصوت واحد نعم.. نحن سنطيع". وبسرعة امتلآ الجو بالدعاء للسلطان بالعافية والمجد لجيشه. وحينئذ قلّد مندوب طوسون عبدالله نياشين الطاعة. وهي معطف وسيف وعدد من الخيل المزركشة. وقال له في إهدائه السيف هذه هو عهد إخلاصك. وسيكون حاميك ما دمت وفيا بوعدك, لكن إن عصيت أوامر السلطان سيدنا فسيكون أداة ثأره. ومرة أخرى ارتفعت أصوات المُخيّم بالصياح لرخاء السيد الأعظم, ووعدوا أن يُردّدا اسمه في صلوات الجمعة.
طوسون يغادر القصيم:
وقد غادر طوسون جزيرة العرب في بداية نوفمبر. ورُحِّب به في القاهرة بكل أنواع التشريف لشجاعته ومكانته السامية. واُطلِقت المدفعية إيذانا بوصوله. وازدحمت الشوارع بالجماهير لتحيي مُخلّص المدن المقدسة. لكنه قوبل بفتور من قبل والده وتاريخه الأتي قصير. فقد عُيّن لقيادة مجموعة كبيرة من الجنود معسكرة في رشيد للدفاع عن الساحل, وتوفي هناك بالطاعون في سبتمبر من السنة التالية 1818م. ولم يكن محمد على مخلصا في عرضه للسلم, وقد وجد بسهولة ذرائع لتجديد الحرب. فرسائله إلى عبدالله بالقبول كانت مبهمة جدا, لقد طلب إعادة الكنوز التي أخذها والده من قبر النبي صلى الله عليه وسلم, كما طلب أن تخضع الدرعية لسلطة حاكم المدينة, ورفض أن يؤكد الاتفاقية ما لم يتخلّ الوهابيون له عن منطقة الأحساء. وكان الخداع إحدى أعظم صفات محمد علي والملامح الممقوتة في شخصيته...) أ.هـ.
حملة إبراهيم باشا على نجد:
ثم يكمل الرحالة كرايتون حديثه(ص 91) عن حملة إبراهيم باشا على نجد بالتفصيل فيقول (وأظهر الباشا من جانبه نشاطا مساويا. فعندما زال خطر الغزو والثورة في مصر أمر بأن تُعدّ إلى الحجاز حملة قوية, عهد بقيادتها إلى ابنه المُتبنّى إبراهيم. وهو أمير مشهور بالشجاعة, ميّز نفسه من قبل بالقضاء على المماليك. المتمردين.. وفد خّصصت ستة شهور لنقل الذخائر العسكرية. وفي سبتمبر من عام 1816م غادر القائد القاهرة مصحوبا بنحو ألفين من المشاة الذين أبحروا من القصير على ينبع وألف وخمس مائة من فرسان البدو الليبيين الذين ساروا عن طريق البر, وكان معه بعض الضباط الفرنسيين. والبطل العربي الشيخ راجح. الذي سبق أن أُرسل إلى مصر مُقيّدا, لكنه الآن أُطلق سراحه, لأنه قد يبرهن على أن خدماته مفيدة للحملة. وكانت الأوامر أن يهاجم الدرعية عن طريق المدينة فالقصيم. وبعد عشرة أيام من وصوله إلى ينبع وصل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وهناك نذر ألا يغمد سيفه أبدا. وأن لا يشرب النبيذ أو أي شراب محرّم حتى يقضي تماما على أعداء الدين. وبسلوكه الطريق التي سبق أن سلطها طوسون وصل إلى الحناكية, حتى بقي هناك عدة أسابيع في مناوشات ونهب. وانضم إليه بعض الزعماء المجاورين وبينهم غانم شيخ حرب الذي أحضر معه خمس مئة من قبيلته. ولم يكن هناك شيء أكثر حاجة من مثل تلك التعزيزات. وذلك أن جنوده كانوا يعانون من أمراض وبائية. ومن حرب الصحراء المرهقة, فقد وجد العرب طرقا للتسلّل إلى معسكر الأتراك. حيث كانوا يقتلون إبلهم وخيلهم أن يقطعون أرجلها وأيديها.
حصار إبراهيم باشا للرس:
ويكمل المؤلف حديثه (ص 93) فيقول: وقد خيّم عبدالله بجوار عنيزة, وكان يضمر مشروعا جريئا, وهو السير إلى المدينة على رأس ثلاثين ألف رجل, في حين يسير أخوه فيصل إلى جدة ومكة وينبع, وبذلك يقطع خطوط الجنود والمؤن القادمة من مصر, وقد منعه عن القيام بتلك الحملة ثورة بعض حلفائه. وهزيمة جيش كان يقوده شخصيا, مكوّن من عشرة آلاف جندي, وكانت بلدة الرس أول بلدة شكّلت عقبة خطيرة في وجه تقدّم إبراهيم. وقد كانت محصّنة بقوة وميّز أهلها أنفسهم بشجاعة رائعة, وساعدت النساء فيها مدافعيها البواسل, فصُدّ المحاصرون في كل المواضع وقّتل من الأتراك ثلاثة آلاف. وكانت الضحايا تزداد يوميا ولقد عُرضت أمام السكان مئات من رؤوس الوهابيين المقتولين أملا في أن ذلك المشهد قد يرعبهم فيستسلمون, لكن ذلك زاد رغبتهم في الثأر.
رفع الحصار عن الرس:
وأمام ذلك الوضع الخطير والوقوع في محنة شديدة, اضطر إبراهيم إلى رفع الحصار بعد أن أضاع ثلاثة شهور وسبعة عشر يوما في مجهود غير مفيد. لكن ذلك كان ـ على أي حال ـ هو الانتكاسة الوحيدة التي واجهها, وبدا كأن حظ أبيه قد عاد فجأة, فقد تقدّم في مسيرته من نصر إلى نصر, وغسل دم الضالين بسرعة الإهانات التي تلقّاها جيشه أمام سور الرس, فقد استسلمت له الخبراء بعد قصفها بالمدفعية بضع ساعات, ثم تلتها عنيزة وفرّ بعض الجنود دون أن ينتظروا مواد الاستسلام. وخضعت جميع بلدان القصيم وقبائله للأتراك. أما عبدالله فتراجع من موقع إلى آخر أمام الغزاة. ورأى كل حصونه تسقط في أيديهم. بريدة فشقراء فضرما التي استولى عليها العدو وخُرّبت) أ.هـ.
كتبه: عبدالله بن صالح العقيل ـــ الرس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق