الاثنين، 11 مارس 2019

الرحالة ديفيد كومنز يتحدث عن الرس وأهلها عام 1232هـ.


# وفي كتاب (الدعوة الوهابية والمملكة العربية السعودية) تأليف ديفيد كمنز. نقله إلى العربية عبدالله بن إبراهيم العسكر. جداول للنشر والترجمة والتوزيع بيروت. ط2/ 2013م.
حصار إبراهيم باشا للرس:
قال المؤلف (ص 75) متحدثا عن حصار إبراهيم باشا للرس (انتهت الهدنة العثمانيةـ السعودية في ظروف مضطربة, وقدم القتال بين حلفاء الخصمين ذريعة إلى محمد علي لبدء حملة بقيادة ابنه إبراهيم باشا في خريف عام 1816م ومن مقره في المدينة المنورة, تقدم ببطء وبشكل منهجي داخل نجد. مكتسبا زعماء العشائر بالهدايا, معيدا تزويد قواته من مصر وتاركا تأثير قواته المسلحة جيدا يمد ولاء الأتباع السعوديين بشكل تدريجي إلى نقطة الإنهيار. يتجه الطريق التاريخي للجيوش التي تغزو نجدا من الحجاز نحو القصيم, حيث أعدت القوات السعودية مقاومة صلبة في الرس, وقد قاومت الحصار طوال ثلاثة أشهر في صيف عام 1817م قبل الاستسلام. سقطت بلدتا القصيم الرئيستان الأخريان عنيزة وبريدة مع نهاية تلك السنة)أ.هـ.
أمير الرس عبدالعزيز بن رشيد:
ثم قال في هامش (ص 81) عن وفاة أمير الرس عبدالعزيز بن رشيد (كان عبدالعزيز بن رشيد بن زامل قاضيا وإماما ومعلما في الرس بالقصيم, شارك في الدفاع عن بلدته ضد القوات المصرية, وقيل أنه مات من الحزن حوالي شهر اكتوبر/تشرين الأول 1817م إثر أمر إبراهيم باشا بتدمير حديقته المحببة خارج البلدة) أ.هـ.
هروب الشيخ قرنـاس:
وقال (ص 85) عن الشيخ قرناس بن عبدالرحمن (كان قرناس بن عبدالرحمن بن قرناس القاضي السعودي في المدينة, ثم أصبح قاضيا في بلدة الرس في القصيم. لكنه هرب حين مرّ جيش إبراهيم باشا بها خلال انسحابه من نجد. ثم عاد ليصبح قاضيا في الإمارة الثانية حتى موته عام 1846م) أ.هـ.
الشيخ محمد بن قرناس:   
كذلك قال (ص 85) عن الشيخ محمد بن قرناس (أدى محمد بن قرناس ابن عبدالرحمن وهو ابن قاضي الرس مناسك الحج إلى مكة المكرمة عام 1819م لكننا لا نعرف إذا ظل طويلا في الحجاز, وقد خلف أباه لا حقا بمنصب قاضي الرس عام 1846م وبقي حتى توفي عام 1858م) أ.هـ.
الشيخ صالح بن قرناس:
ثم قال (ص 94) عن الشيخ صالح بن قرناس (ما إن استقر المشهد السياسي حتى تحرك العلماء الوهابيون لإعادة توحيد الدعوة مع ترؤس الشيخ عبدالرحمن بن حسن في الرياض لشبكة من القضاة والمعلمين الذين أختيروا لولائهم الصلب لتعليمات جده. إن الاهتمام بأدنى قدر من الشك واضح في تثبيت قاض في بريدة بالقصيم, وقد برزت القضية إلى حد ما لأن قاضي البلدة الوهابي تحت حكم الأمير تركي وقد مات عام 1840م. بينما كانت المنطقة تحت الحكم المصري. مع هذا فقد حدث تعاقب وهابي على المنصب برعاية شيخ الدعوة البار في القصيم الشيخ صالح بن قرناس, وقد أثار اختياره لسليمان بن مقبل "حوالي 1805 ـ 1887م" الدهشة في بريدة, رغم أنه درس بإشراف معلمين وهابيين في عنيزة والرياض. بمن فيهم عبدالرحمن بن حسن. فقد أمضى عشر سنوات أيضا في دمشق تلميذا لدى حسن الشطي وهو خصم حنبلي مشهور ومجاهر للدعوة. أبدت جماعة من سكان المدن شكرها حول التصحيح المذهبي لابن مقبل, لكن صالح بن قرناس نجح في إقناعهم بقبول توصيته) أ.هـ.
وفي (ص 132) قال (احتدم الخلاف في القصيم لعدة سنوات لكن المعسكر الوهابي صمد في المناخ السياسي المضاد. صحيح أن الوهابيين فقدوا السيطرة على المواقع الدينية المؤثرة, كما حدث حين طَرَدَ محمد بن رشيد قاضي عنيزة الوهابي صالح بن قرناس بعد معركة المليدا عام 1891م وعيّن مكانه شخصا أقل حماسة هو عبدالله بن عودان) أ.هـ.    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الثلاثاء، 29 يناير 2019

الرحّالة عبدالله فلبي يتحدث عن حرب إبراهيم باشا لبلدة الرس عام 1232هـ.

كتاب (تاريخ نجد) تأليف: عبدالله فلبي. تعريب: عمر الديسراوي. منشورات المكتبة الأهلية بيروت.
كما تم طباعة الكتاب في مطبعة مدبولي بعنوان (تاريخ نجد ودعوة محمد بن عبدالوهاب السلفية) سنت جون فلبي 2009م. قال:
طوسون في القصيم:
قال المؤلف في الفصل الخامس تحت عنوان(عبدالله الأول بن سعود)(ص 141) (وسمع محمد علي وهو في قنفذة بحدوث اضطرابات في مصر بين مماليك الغزو وحكومته فقرر العودة إلى مصر. تاركا أمر العمليات العسكرية الأخرى لابنه طوسون. وكان آنئذ في المدينة المنورة يقوم بالاستعدادات بحملة على نجد. وجرت اتصالات بينه وبين العناصر الساخنة في رسّ والخبراء شجعته على العمل بدون أي تأخير, فأمر القوة (النازلة) المعسكرة في الحناكية أن تزحف على القصيم. فاحتلت القريتين بدون أية مقاومة, بينما أخضعت الحصون في القرى الصغيرة المجاورة, فيما عدا المدن والقرى الواقعة في المناطق الوسطى والشرقية من القصيم. إذ ظلت هذه موالية للحكومة الوهابية وتحارب المصريين حربا غير نظامية. إلى أن سارع عبدالله إلى لإنقاذهم بجيشه الذي جمعه من جميع أنحاء نجد.
عبدالله بن سعود يهاجم قوات طوسون:
وفي منتصف نيسان من سنة 1815 غادر عبدالله الدرعية للتطواف في المذنب, ومن هناك تقدم نحو الرويضة القريبة من رسّ أما المصريون فاكتفوا بإطلاق مدافعهم من بعيد, بينما هاجم عبدالله حشدا من قبائل حرب ومطير قيل بأنهم كانوا يحتشدون في الغرب من آبار بصيري, وفي الطريق سمع بأن طوسون نفسه قد وصل بقوة كبيرة إلى داث في طريقه إلى رسّ فاستدار في الحال إلى تلك الجهة. مؤملا أن يفاجئ العدو على الآبار, ولكن طوسون كان قد توقع هذا الهجوم فاستمر في زحفه نحو رسّ. فأرسل عبدالله فرقة القصيم لتصد أي تقدم للعدو في ذلك الاتجاه, بينما رجع هو إلى خطته الأولى في مهاجمة القبائل في بصيري. وبعد أن أخضعهم وهزمهم, وردته أخبار جديدة تقول أن طابورا تركيا مع المصريين قد وصل بئر البعجة وحصنها في المنطقة المجاورة, فسار نحوهم وقد التجأت القوة المؤلفة من مائة وعشرين رجلا إلى الحصن فاقتحمها عبدالله عنوة وقتل جميع أفراد الحامية عن بكرة أبيهم, ثم عاد عبدالله إلى قاعدته في المذنب, بينما أرسل طوسون المتمركز جيدا في رسّ والخبرة قوة أمامية إلى الشبيبية قرب عنيزة, من أجل احتلال عنيزة في الوقت الملائم, وجعلها مقره الرئيسي, إلاّ أن عبدالله هو الذي وصلها أولا واتخذ منها قاعدة للغارات المتكررة على المصريين وحلفائهم من البدو الذين أصبح مركزهم العام وسط أراضي العدو حرجا بينما سارعت بعض العناصر من رسّ نفسها إلى احتلال حصون شنانة لمصلحة عبدالله بعد أن ندموا على تسرعهم في خضوعهم لطوسون. أما مركز الشبيبية الطليعي فسُحب, وانتقل عبدالله من عنيزة إلى آبار الحجناوي حيث أمضى قرابة الشهرين ضاغطا باستمرار على موقع طوسون.
العمليات الحربية على الرس:
ثم يكمل المؤلف حديثه عن العمليات الحربية في الرس (ص 144) ويقول (وقد عقبت ذلك حدوث تطورات جديدة على الموقف. وهي إما أن تكون ناشئة عن وضع طوسون الخطر في وسط الصحراء, أو ضغط الأحداث في مصر أو سوء حالته الصحية, فقد ثبت أن ضابطا بصحبة دليلين من حرب ومطير هوجم وهو في طريقه إلى طوسون ونُقِل على يد آسريه الوهابيين إلى معسكر عبدالله فقُتل الدليلان في الحال بدون سؤال أو جواب. أما الضابط التركي فنقل إلى عبدالله المعلومات التالية: وهو أنه يحمل رسالة إلى طوسون من والده يأمره فيها بعقد الصلح والعودة إلى مصر. وبعد معاملة كريمة أرسل الضابط إلى طوسون, فوصل القائدان المتحاربان إلى اتفاقية تنصّ  (1) إنهاء الأعمال العدوانية, (2) إنهاء التدخل التركي في شئون نجد, (3) إطلاق حرية التجارة بين الجزيرة العربية وجاراتها, وتأمين الحج لجميع الأطراف المعنية.
وهكذا غادرت القوات المصرية رسّ إلى المدينة المنورة في منتصف شهر تموز سنة 1815, ورافق طوسون مرافقان ساميان سعوديان يحملان رسالة من عبدالله إلى محمد علي باشا الذي ابرم بدوره اتفاقية الهدنة وأيدها. ولم يعش طوسون طويلا بعد الفشل الذي لحق به في الجزيرة العربية, إذ توفي في مصر في آخر أيلول سنة 1817, وقبل ذلك يشهر واحد توفي في سالونيك الشريف غالب بن مساعد الذي كان محمد علي قد نفاه إليها.
ويبدو أن عبدالله قد أدار دفة الحرب ضد طوسون بكل نشاط ومهارة, فقد سيطر بيد من حديد على قوته الكبيرة بما فيها من عناصر فرارة طيارة. وكان هو الذي ألهم شعب القصيم أن يصمدوا في وجه الاعتداء المصري كما ظهر ذلك في توبة أهل رسّ المتأخرة لسهولة انقيادهم للعدو. وكون محمد علي هو الذي طلب التوقف, يعتبر بحد ذاته نصرا معنويا للوهابيين, تأتى بفضل المقاومة الضارية التي أبداها أهل نجد لمطامع إبراهيم باشا.
عبدالله بن سعود يغير على البادية:
ثم تحدث الكاتب (ص 146) عن قيام عبدالله بن سعود بحشد قوات كبيرة وتوجه غربا لتأديب القبائل من حرب ومطير حول آبار العلم قرب الحناكية, ثم جنوبا نحز حرة كشب, ثم عاد إلى بلاده عن طريق الدفينة دون أي نشاط حربي.. ثم قال (بينما أخذ أمير رسّ واثنان آخران من أهلها البارزين رهائن إلى الدرعية)أ.هـ.
إبراهيم باشا يحارب أهل الرس:
وفي (ص 147) تحدث المؤلف عن حرب أهل الرس مع إبراهيم باشا فقال (أما إبراهيم فلم يضع الوقت بل أخذ يطور نصره ويستفيد منه, فسار من الحنكية إلى ماوية مع جيشه الرئيسي ومعداته كلها, ومن هناك اندفع نحو القصيم فوصل قبالة رسّ في التاسع من تموز. ووجد السكان غير مبالين هذه المرة إلى الاستسلام, فقد أرسل إليهم عبدالله قوة من الجيش لتقوية دفاعهم. واشتد حصار رسّ, وكذلك اشتدت المقاومة العنيدة, غير أن الأمور سارت في صالح إبراهيم, ولم تترك مدافعه ولا معدات حصاره راحة للمدافعين لا ليلا ولا نهارا, كانت الثغرات والشقوق التي تحدثها المدافع في الأسوار نهارا يعيد المدافعون إصلاحها ليلا دون كلل أو ملل. وكانت الألغام والقنابل تطلق من الداخل لإبطال مفعول ألغام العدو المهاجم من الخارج. وقد استعمل المصريون قنابل يطلقونها من مدافعها فتنفجر وسط التحصينات, وكلما مرت الأيام بلا أمل في الخلاص أرسل المحاصرون يستنجدون بعبدالله الذي كان مقيما في عنيزة, فيتوسلونه ويلحون عليه في طلب المساعدة أو السماح لهم بطلب الصلح مع الأعداء. ويبدو أن عبدالله لم يكن بوسعه التدخل بأي شكل, أما الأعداء فكانوا يتلقون الإمدادات والذخائر من مصر بلا انقطاع. وأصبح وضع المدافعين أبعث على اليأس. وبعد أربعة أشهر من الحصار اضطرتهم الأحوال إلى طلب الصلح بشروط سخية في الخامس والعشرين من تشرين الأول سنة 1817, وسمح للمدافعين أن يخرجوا بكامل أسلحتهم ومعداتهم لينضموا إلى عبدالله في عنيزة. أما خسائرهم فبلغت 70 قتيلا بينما يقدر ابن بشر عدد القتلى المصريين بستمائة قتيل).
سقوط القصيـم:
ثم قال مختتما حديثه عن القصيم (ص 149) (وبعد أن وضع إبراهيم باشا الترتيبات الضرورية لتأمين سلامة عنيزة, تقدم صوب بريدة حيث استسلم الأمير حجيلان مع المواطنين دون مقاومة. وهكذا سقطت جميع القصيم في يد إبراهيم خلال أسبوعين أو ثلاثة بعد انهيار مقاومة رسّ الباسلة ...) أ.هـ.
كتبه: عبدالله بن صالح العقيل ـــ الرس. 

الاثنين، 28 يناير 2019

الرحّالة خالد الفرج يتحدث عن حرب إبراهيم باشا لبلدة الرس عام 1232هـ.


ـ كتاب (الخبر والعيان في تاريح نجد) وهو شرح قصيدة تاريخ نجد البائية. خالد بن محمد الفرج. تحقيق عبدالرحمن بن عبدالله الشقير. مكتبة العبيكان.
زحف طوسون على القصيم:
قال المؤلف (ص 295) بعد أن تحدث عن الوقائع الحربية في الميدان الجنوبي للمملكة (وفي الشمال زحف أحمد طوسون بجنوده من المدينة قاصدا القصيم, فاستولى على الرس والخبراء بمواطأة من أهلها, وأعلن عبدالله بن سعود النفير العام في نجد بدوا وحاضرة, ونازل طوسون في القصيم وجرت بينهما مناوشات ومطاولات.
انعقاد الصلح:
وتحت عنوان (انعقاد الصلح)(ص 297) قال المؤلف (مما لا ريب فيه أن محمد علي لما أزمع الأوبة إلى مصر كتب إلى ابنه طوسون بعقد صلح شريف إن أمكنه, رغبة بهدنة يتفرغ فيها لتأمين مخاوفه, وتسكين الاضطرابات التي كان يتوجس منها, والمؤرخون المصريون يعزون الصلح إلى طلب عبدالله بن سعود في الوقت الذي كان فيه طوسون يفكر في العودة إلى المدينة.
وبديهي لو لم يكن طوسون نفسه راغبا في عقد الصلح لعد طلب عبدالله دليلا على ضعفه وواصل القتال حتى النهاية. على أن ابن بشر المؤرخ الصريح يكشف لنا عن الحقيقة فيقول: إن جنود عبدالله قبضوا على اثنين من البادية: أحدهما حربي, والثاني مطيري, ومعهما أحد رؤساء الترك وجدوا لديه رسائل إلى طوسون من والده يأمره فيها بالصلح, وبالطبع أن الطرفين كانا مائلين لذلك, ولهذا بادر عبدالله بإطلاق سراح التركي وإيصاله إلى معسكر طوسون.
وبعد مفاوضات قصيرة تم عقد صلح شريف تنازل فيه أهل نجد عن الحجاز, وتعهدوا بتأمين طرق الحج وعدم التعرض للقوافل, على ألاّ يتعرض المصريون لنجد ولا لملحقاتها من جهة الشرق. وكُتبت المعاهدة ورفعها عبدالله, وتوجه بها وفد مؤلف من عبدالله بن بنيان والقاضي عبدالعزيز بن إبراهيم إلى مصر, فصادق عليها محمد علي وتم الصلح. وعاد طوسون إلى مصر, فجعله أبوه أميرا على حامية رشيد وهناك أفرط في الملذات حتى أنهكت جسمه, فمات إثر مرض قصير في شوال سنة 1231 ونقلت جثته إلى القاهرة).
حملة إبراهيم باشا على نجد:
ثم يكمل المؤلف حديثه عن الأوضاع في نجد فيقول(ص 299) تحت عنوان (استئناف القتال)(بعد أن أمن محمد علي مركزه في مصر أعاد التفكير في نجد وإعادة الحملة عليها, وكان عبدالله بن سعود فد تجرد لتأديب الخائنين من البادية وأهل نجد الذين ظاهروا الحملة المصرية. فخرب أسوار الرس والخبراء وأغار على كثير من بوادي حرب ومطير الخائنين, فاتخذها محمد علي ذريعة لنقض الصلح, فأخذ يستعد لإرسال حملة بقيادة ابنه ـ أو ابن زوجته ـ إبراهيم باشا, ووصلت أخبار الاستعدادات إلى نجد. فأرسل عبدالله بن سعود وفدا أخر برئاسة حسن بن مزروع, وعبدالله بن عون إلى مصر, ومع الوفد هدايا إلى محمد علي, فوجداه قد تغيرت نواياه, وأخذ يملي شروطا غير معقولة لا يسلم بها حتى المنهزم. وكثير من المؤرخين يكتفي بذكر أحد الموفدين, ولم نر مؤرخا مصريا يعترف بوقوع الصلح, مع أن رجوع طوسون أقوى دليل على إبرامه, وليس من المعقول أن طوسون يخلي الرس وغيرها من نجد بهدنة مؤقتة, كما أن بين الصلح وانتفاضة ما يناهز أربعة عشر شهرا.
صمم محمد علي هذه المرة على مواصلة القتال إلى النهاية مهما كلفه ذلك, واتخذ للأمر عدته, وقد علمته التجارب الماضية دروسا حسب لها كل حساب, فقضى ستة أشهر في إعداد المعدات وتجنيد الجيش, وعقد لواء القيادة لإبراهيم باشا, ونقلت المؤن والذخائر من بولاق إلى قنا ومنها برا إلى القصير حيث الأسطول رأس هناك. وهو مؤلف من نيف وثلاثين قطعة كبيرة, أقلعت بتلك الحملة الهائلة إلى ينبع.
رسا الأسطول المصري في ينبع ونزل منه إبراهيم باشا متوجها إلى المدينة. ومنها باشر الزحف إلى الحناكية. وقدم طلائعه بقيادة أوزون علي, فنزلت على ماء ماوية. فاجتمعت عليه عربان حرب ومطير وعتيبة, وهناك هاجمهم أهل نجد بقيادة عبدالله بن سعود, ولكنهم رأوا الجيش المصري مجهزا بمدافع وأسلحة لا عهد لهم بها, أثّر مفعولها في صفوفهم, ففرت البادية منهزمة وتبعتها الحاضرة’ وعاد عبدالله بن سعود إلى الخبراء ومنها إلى عنيزة).
حصار الرس:
وتحت عنوان (حصار الرس واحتلاله)(ص 301) قال المؤلف(بعد وقعة ماوية والى إبراهيم باشا زحفه من الحناكية إلى أن أحاط بالرس, وجاء أهل الرس يكفرون عن خطيئتهم الأولى, فثبتوا للمصريين ومعهم سرية بقيادة حسن ابن مزروع. وكانت حربهم هائلة لم تشهد نجد مثلها.
أهل الرس ونفق إبراهيم باشا:
صوّب إبراهيم باشا مدافعه على أسوار الرس الحقيرة ـ خمسة آلاف قنبلة في ليلة واحدة ـ فدكها ولكنها بنيت لساعتها, وحفر الأنفاق لإلغامها فأبطلوا عملها بأنفاق مثلها, وسقط تحت أسوارها من رجاله ثلاثة آلاف وأربعمائة جندي, بينما قتلى الرس لا يتجاوز المائتين.
فهاله الأمر, ولكن أهل الرس مالوا إلى التسليم بعدما رأوا الإمدادات لا تنقطع عن عدوهم وهم في نقص مستمر, ولم تأتهم نجدات جديدة, وكانت سياسة عبدالله في توزيع جنوده إلى حاميات غلطة لا يلام عليها, لأنه لم يشأ أن يخاطر في مصاف حاسم بعدما تحقق من قوة خصمه.
الصلح بين إبراهيم باشا وأهل الرس:
جنح إبراهيم باشا إلى الصلح فسلمت الرس, والتحق أهل الرس بجميع ما معهم بعبدالله في عنيزة. وهم يحملون قصص المدافع الحديثة السريعة والقنابل التي تضرب الجدار ثم تنفجر ثانية. وتتطاير شظاياها, وقد يبالغون تبريرا لتسليمهم. وكانت هذه الأخبار بمثابة طلائع إبراهيم باشا, ولولا ثبات أهل الرس لما أدركوا ذلك الصلح المشرّف من إبراهيم باشا.
وقصد إبراهيم باشا الخبراء فاستولى عليها, ورحل منها ووجهته عنيزة وكان عبدالله قد غادرها بعد أن رتب فيها حامية بإمارة إبراهيم بن حسن بن مشاري السعود. وقصد بريدة على أن عنيزة ما عتمت أن سلمت. واعتصمت الحامية بالقصر, ولكنها أرغمت على التسليم لانفجار مستودع ذخائرها.
بعد تسليم بريدة زحف إبراهيم باشا إلى الجنوب وهو يحتل قرى نجد وبلدانها إلى أن استولى على شقراء قاعدة الوشم بعد حصار ستة أيام. ولكنه لقي من أهل ضرمه]ضرما[ ما لاقاه من أهل الرس "أردنا شقراء وأراد الله زرمه (ضرمة)]ضرما[" هذه الكلمات قالها إبراهيم باشا فذهبت مثلا... ومن الغرائب أن تسلم له عنيزة وبريدة وشقراء, وتقاوم الرس وضرما على بعد ما بينهما من قوة ومناعة) أ.هـ.
كتبه: عبدالله بن صالح العقيل ــ الرس.

الجمعة، 18 يناير 2019

الرحّالة لويمر يتحدث عن حرب إبراهيم باشا لبلدة الرس عام 1232هـ.


ـ كتاب (دليل الخليج) القسم التاريخي. تأليف:ج ج لويمر. الجزء 3 طبع على نفقة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر. قال فيه:
توجه طوسون نحو القصيم:
يقول المؤلف تحت عنوان (تقدم طوسون باشا إلى القصيم مارس ـ مايو 1815(ص 1616)(وفي نهاية مارس سنة 1815 تقدم طوسون باشا إلى القصيم التي كان أرسل إليها حوالي 400 فارس من قبل, وأصبحت معه 200 أو 300 فارس آخر و 400 جندي من المشاة وحوالي 400 بعير للنقل, وكذلك بضع مئات من بدو قبائل حرب ومطير, وتوقف شهرا في طريقه عند حنكية, وهناك جاءته الأوامر من محمد علي بالرجوع إلى المدينة لكن طوسون بسبب اعتقاده وقتذاك أنه ليس أقل في المكانة من أبيه رفض أن يطيع الأمر. ويجب أن نلاحظ أن محمد علي نفسه كان في المدينة إذ جاءه إليها على غير توقع في 14 أبريل لأن وقته كان مشغولا تماما بالمشاكل المحلية. وفي أوائل مايو وصل طوسون باشا إلى القصيم وفي الرس لحق به حلفاؤه السياسيون من رجال القصيم ومنهم الفرسان الذين طلبوا منه التقدم. لكن حجيلان أقوى رجل في القصيم كان مخلصا في ارتباطه بقضية الوهابيين فلم يشترك في هذا الأمر. بل على العكس جمع أنصاره حوله واستعد للحرب في بريدة).
تحرج موقف القوات المصرية في القصيم مايوـ يونيو 1815:
وحين وصل الأمير عبدالله إلى شنانة في قوات كبيرة من البدو وغيرهم أصبح طوسون باشا في موقف حرج. فالوهابيون يستطيعون منع وصول الإمدادات إليه إلاّ من عدة قرى قريبة, وفي نفس الوقت أباد الوهابيون قوة من 250 فارسا كانت متقدمة من المدينة لنجدة طوسون. وكانت هذه الجماعة سيئة الحظ يقودها إبراهيم آغا أو توماس كيث الذي كان طوسون باشا قد جعله حاكما للمدينة والذي أثبت شجاعة حتى اللحظة الأخيرة حين قتل أربعة رجال من بيديه قبل أن يسقط قتيلا, وفي نفس الوقت أسرع محمد علي باشا الذي بدأ غير مهتم بنتائج عمليات ابنه في القصيم, بل حتى داخلته الغيرة من أعماله أسرع من ينبع عائدا إلى مصر. وذكر في تبرير هذا الرحيل المباغت أن صحته ساءت كثيرا لطول إقامته في جزيرة العرب وأنه كان يخشى هجوم الأسطول التركي على ميناء الإسكندرية.
المعاهدة, وعودة طوسون باشا إلى المدينة يونيو 1815:
ويبدو أن ضعف القوات المصرية لم يكن واضحا تمام الوضوح للوهابيين, وكان أميرهم لهذا يعتقد أن موارد مصر الكثيرة لابد ستنتصر في النهاية على مصادره المحدودة. وظن أن من المناسب أن يتراجع عن الاستمرار في هذا الصراع.. ومهما كان السبب فقد استجاب الأمير عبدالله لعقد تسوية اقترحها طوسون. وتم التوصل إلى اتفاقية تخلى فيها الأمير عن مطالبه الأماكن المقدسة في الحجاز واحتفظ بحقه في زيارتها لهدف الحج فقط. كما اعترف أيضا بسيادة سلطان تركيا عليه, وفي مقابل ذلك تعهد طوسون باشا بالانسحاب من القصيم. وتم الاتفاق على أن تكون منطقة حنكية هي الحدود الفاصلة بين المناطق التابعة للوهابيين والتابعة للمصريين. وهكذا رجع طوسون باشا إلى المدينة في يونيو سنة 1815 بعد أن ظلت إقامته في القصيم أربعة أسابيع بالضبط.
عدم التصديق على الاتفاقية:
وفي أغسطس وصل مبعوثان من الوهابيين إلى القاهرة للتصديق على هذه الاتفاقية لكن محمد علي ردهما ردا غير واضح بدأ منه أنه كلن لا يمانع في الصلح بشرط أن يضم إقليم الأحساء إلى ساحل الخليج. ورجع طوسون باشا نفسه إلى القاهرة يوم 7 نوفمبر سنة 1815 فاستقبله أبوه استقبالا فاترا).
وفي(ص 1618)تحت عنوان (القوات المصرية تغزو القصيم للمرة الثانية) قال:
الاستعدادات للحملة 1816:
وظلت الأمور كما هي عدة شهور بعدها. وكان معظم السبب في ذلك إقناع محمد علي بأن الانجليز لا بد سيحاولون النزول إلى مصر. وحين تبدد خوفه هذا استأنف مواصلة حربه في جزيرة العرب, وقد حدثت اضطرابات واسعة في جنوب الحجاز وأرغمت الحاميات المصرية على التراجع من بيشة ورانيه وترابه. وفي أغسطس 1816 خرج إبراهيم باشا بن محمد علي الأكبر (أو ابنه بالتبني) من القاهرة ومعه قوات قوامها 2000 جندي من المشاة و 1500 فارس من بدو الصحراء الليبية. وقبل أن الأوامر صدرت إليه بالتقدم من المدينة إلى الدرعية عن طريق القصيم.
عمليات القوات المصرية في حنكية:
وانقضى وقت طويل على أية حال قبل أن يستطيع إبراهيم باشا تنفيذ التعليمات التي صدرت إليه. فلم يصل حنكية إلا بعد انقضاء وقت دام عدة أشهر من سنة 1817 وجعلها مركز انطلاق غارات متعددة على القبائل المجاورة. وكانت قبائل حرب وعتيبة من الذين عانوا من هذه الغارات. وكان من نتائجها أن أعلنت قبائل كثيرة ولاءها للمصريين, وكان العمل التالي لإبراهيم باشا هو حملته على منطقة جبل شمر, مستعينا أساسا بقبائل البدو الموالية له, يتبعهم طابور من الفرسان المصريين وراءهم. وأصيبت هذه القبائل بخسائر فادحة.. ونجا المصريون فلم يفقدوا أكثر من 20 رجلا.
. حنكية: أي الحناكية.
انتصار القوات المصرية في جبل ماوية 1817:
     وبناء على طلب قبائل البدو الموالية للقوات المصرية والتي بدأ الوهابيون يلحون في مضايقتها أرسل القائد المصري قوة من جنوده إلى جبل ماوية على الطريق بين حنكية ورأس.. وهناك اشتبكت هذه القوة بقوات العدو بقيادة الأمير عبدالله, وكانت نتيجة المعركة في صالح المصريين ويستدل على ذلك من الهياكل العظمية البالية التي ما تزال تغطي ساحة القتال عندما تفقدها الكابتن سادلر في سبتمبر 1819. واضطر الأمير إلى الهرب عن طريق رأس عنيزة في القصيم. وفعل إبراهيم باشا الذي وصل إلى ميدان الحرب بعد انتهائها تقريبا كفعل الوهابيين في مثل هذه الحالات. فأمر بإعدام الأسرى جميعا. وحينما تجمعت قواته في ماوية ـ ووصل عددها إلى 1200 فارس و 4000 من جنود المشاة تقدم نحو الرس. ولحق به شيخ قبيلة مطير علنا فقد كان له ثأر عند الوهابيين. وقام في الطريق بغارة على قبيلة عنيزة.

     القوات المصرية تضرب حصارا فاشلا على الرس 1817:
     وحين وصل إبراهيم باشا إلى الرس أعد العدة للاستيلاء عليها مرة واحدة, ولكن أسوارها استطاعت أن تقاوم نيران مدفعيته لثلاثة أيام. وحين أحدثت ثغرة في الأسوار وبدأت قواته في الاندفاع منها اضطرت إلى التراجع متكبدة خسائر جسيمة, واستمر الحصار بلا جدوى ثلاثة أشهر ونصفا ثم رفع نهائيا, وخسرت القوات المصرية 900 قتيل و 1000 جريح في هذه العمليات. كما استهلكت حمولة 400 بعير من ذخيرة الأسلحة الخفيفة إلى جانب 30 ألف دانة للمدفعية, كل هذا في حين لم تتجاوز خسارة المحاصرين داخل المدينة أكثر من 50 قتيلا و 70 جريحا. وحدث شبه اتفاق مع أهل الرس أصبح مصير هذه المدينة بموجبه مرتبطا بمصير عنيزة عاصمة القصيم) أ.هـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2018

الرحّالة لويس بوكهارت يتحدث عن حرب إبراهيم باشا لبلدة الرس عام 1232هـ.


كتاب(ملاحظات عن البدو والوهابيين) جون لويس بوكهارت. ترجمه وعلّق عليه د عبدالله بن صالح العثيمين. دارة الملك عبدالعزيز الرياض. 1434هـ.
حروب محمد علي في الحجاز ونجد:
تحدث المؤلف عن حروب محمد علي باشا في الحجاز ونجد فقال عن الحروب التي قام بها أبناؤه في الرس (وبعد وصول طوسون وقدري أفندي إلى المدينة بقليل جعل الأخير نفسه كما هو واضح مكروها لدى تلميذه. فقتله هذا التلميذ في فورة غضبه. وعندئذ حدثت فوضى كبيرة في إدارة الأمور, فعلاقات الأتراك بالعرب المجاورين كانت تدار بسوء. وكان الجنود يرتكبون أعمال سلب ونهب. ولحاجة طوسون إلى الإبل أخذ كل تلك التي استطاع أن يجدها لدى البدو. وبدلا من أن يقوم محمد علي عند وصوله إلى المدينة بإجراءات هجومية ضد العدو أصبح مشغولا تماما بإصلاح النتائج السيئة لأخطاء ابنه, وأرسل مئتين وخمسين فارسا قيادة توماس كيث وإبراهيم آغا إلى طوسون. كما أرسل إليه كتيبة من المشاة الذين وصلوا من ينبع بقيادة أحمد بونابرت. الذي عاد لتوه من القاهرة, وبعد مسيرة دامت عشرة أيام أو أحد عشر يوما وصل طوسون إلى منطقة القصيم, وذلك في أوائل مايو وقد هاجم في أثناء مسيره بادية هُتَيم, وأخذ من إبلهم خمس مئة بعير فأرسلها إلى المدينة لنقل المؤن من ينبع, وعند وصوله إلى الرس إحدى بلدان القصيم الرئيسة أو قراها الكبيرة المحصّنة بسور, انضم إليه الفرسان الذين سبقوه في الوصول إلى هناك. وقدم إليه شيوخ الجهات المختلفة في القصيم ليبحثوا معه الإجراءات التي يجب اتخاذها. لكن زعيم القصيم الكبير حُجَيلان لم يأت إليه, ذلك أنه كان دائما مخلصا لسعود ثم لابنه عبدالله, إذ جمع لمساعدته أتباعه من العرب في بلدة تسمى بُرَيدة).
الصلح بين عبدالله بن سعود وطوسون:
وتحت عنوان (دخول عبدالله بن سعود القصيم والصلح بينه وبين طوسون) قال المؤلف(ص523)(وفي أثناء ذلك لم يهمل عبدالله بن سعود واجبه, فقد دخل منطقة القصيم أيضا, بجيش من حاصرة نجد وباديتها. وجعل مركز قيادته في الشنانة التي لا تبعد إلاّ خمس ساعات عن الخبراء حيث يُخيّم طوسون باشا. لكن طوسون وجد نفسه في موقف حرج, فقد سمع أن خازن ماله إبراهيم آغا أو توماس كيث قد أحيط به في الطريق, وأنه برغم مقاومته الباسلة قد مُزّق هو وكل فرسانه إربا. وكان من الممكن أن تمد منطقة القصيم الخصبة جيشا أكثر بكثير من جيشه. لكن عدد قوات الوهابيين خفيفة الحركة كان على أي حال قريبا من عدد الأتراك الذين كان كل اعتمادهم على قريتين أو ثلاث قرى في طعامهم اليومي. وهذا هو ما جعلهم يتنبّئون بأنه سيصبح حتما شحيحا جدا. وكان العدو يحتل الطريق إلى المدينة, ولم يكن من الممكن الحصول على أخبار الخطوات التي اتخذها محمد علي.
ثم استمر الكاتب بوكهارت يروي ما كان بين عبدالله بن سعود وطوسون باشا: (ولم يكن في استطاعة طوسون باشا أن يضع ثقة كبيرة في البدو الذين كانوا معه لأنه كان يعلم أنهم مستعدون للانضمام إلى الجانب الآخر في أول نكسة للأتراك. وقد رغب في أن ينهي كل حساباته المعلّقة بمعركة. لكن ضباطه وجنوده لم يكونوا على استعداد لذلك. فقد أخافهم الوهابيون الذين يفوقونهم عددا. واقتنعوا بأنهم لو هُزموا فلن يستطيع أيّ واحد منهم الهرب. فرأوا من الحكمة أن يصلوا إلى حل مع العدو بدلا من محاربته, والأكثر من هذا أن محمد علي كان قد خوّل ابنه أن يعمل صلحا إذا استطاع أن يصل إلى ذلك وفق شروط مُفضّلة. وقد استخدم بعض البدو لاستطلاع رأي زعيم العدو. وحين علم عبدالله ابن سعود بالوضع أرسل حبّابا أحد رجاله ليكشف نيّة طوسون الحقيقية. وأعطى أمانا لأي إنسان قد يرسل إلى المخيّم الوهابي. ومهما بدت هذه الأمور مُشجّعة لعبدالله فقد تنبّأ أنه لو حطّم كل قوة طوسون المكوّنة من ألف ومئتي رجل فسيكون ذلك قليل الفائدة له. إذ سيضطر محمد علي إلى أن يوجّه كل قواته ضد هذه المنطقة. وسيكون ذلك النصر الجزئي أكثر ضررا بالقضية الوهابية العامة. وإضافة إلى هذه فقد علم أن موارد مصر من الكثرة بحيث ستمكّن محمد علي من إطالة الحرب في الحجاز لأي وقت شاء. لقد عانى الأتراك كثيرا من الهزائم, لكنهم كانوا دائما يُعوّضون خسائرهم ويصبحون أقوى من ذي قبل. وكانوا أيضا يملكون وسائل الرشوة والزعيم الوهابي يعلم جيدا أن بعضا من رفاقه الحاضرين كانوا أعداءه في قلوبهم. وبتوصّله إلى صلح يستطيع أن يضمن تبعية تلك القبائل التي لم تنضمّ بعد إلى الجانب التركي.
استقبل طوسون حبّابا استقبالا طيبا. وأرسل فورا طبيبه السوري يحيى أفندي الذي يتكلم العربية أفضل من أيّ تركي. ليفاوض عبدالله وحمّله بعض الهدايا إليه, وبقي يحيى ثلاثة أيام في المخيّم الوهابي, ولأن كلا الطرفين كان راغبا في الصلح فإن المفاوضات سرعان ما انتهت إلى صلح. وذهب أحد رجال حاشية عبدالله إلى طوسون منتظرا توقيعه على الاتفاق الذي تضمّن تخلّي عبدالله عن كل مطالبه في امتلاك الأماكن المقدسة, وتعهد بأن يسمي نفسه تابع السلطان المطيع. وحصوله على حُريّة كل أتباعه, في المرور على الأراضي التركية. وهو ما سَيُمكّنه من أداء الحج متى شاء, وتخلى طوسون لعبدالله بن سعود عن تلك البلدان التي استولى عليها في القصيم, وأبعد عنه كل زعماء تلك البلاد التي سبق أن انضمّوا إليه, كما تخلّى له عن كل تلك القبائل البدوية التي مراعيها خلف الحناكية. محتفظا لنفسه فقط بتلك التي تسكن بين هذا المكان والمدينة وفي أراضي البلاد المقدّسة. ولم يَقُل شيء عن الوهابيين الجنوبيين.
عبدالله بن سعود يعاقب البدو:
ويواصل المؤلف حديثه (ص 525) ونتيجة لذلك عاقب عبدالله ـ بعد ذهاب طوسون مباشرة ـ البدو وبخاصة قبيلة مطير التي سبق أن انضمت إلى أعدائه, ولأن كل فريق توقع خيانة من الآخر قامت بعض الصعوبات في شأن أولوية المغادرة. وقبل عبدالله في نهاية الأمر أن يغادر المكان, لكنه أصرّ على أن يصحبه أربعة من كبار ضباط الباشا رهائن لديه حتى يصل إلى مكان آمن ثم يعيدهم إليه. وتلكّأ طوسون بعض الوقت تجاه هذه المسالة ربما ليغطي ضعفه. وتراسل الطرفان, وفي حوزتي الآن عدد من رسائل عبدالله الأصلية. وأكثرها توضح صراحة اللغة التي امتاز بها دائما البدو وشجاعتها, إذ تختلف كثيرا عن الأسلوب الرسمي التبجيلي المعتاد بين الأمم الشرقية الأخرى في مثل هذه الأحوال, مكلها مكتوبة بإملاء مباشر من عبدالله نفسه معبرة عن المشاعر الصادقة التي يحس بها تلك اللحظة. ويوضح الخط الذي كُتِب به أنه لم يستغرق إلا وقت قصير. في وضع تلك المشاعر على الورق.

طوسون يغادر القصيم:
وبعد ذلك عاد طوسون من الخبراء إلى الرس. ثم غادر منطقة القصيم بعد أن أقام فيها ثمانية عشر يوما. ووصل إلى المدينة قرب نهاية يونيو سنة 1815م وكان معه مبعوثان وهابيان من عبدالله إلى محمد علي يحملان بنود الاتفاق على الصلح, كما يحملان رسالتين إحداهما إلى الباشا والثانية إلى السلطان العثماني) أ.هـ.
كتبه: عبدالله بن صالح العقيل ـــ الرس.

السبت، 15 ديسمبر 2018

الرحّالة أندرو كرايتون يتحدث عن حرب إبراهيم باشا لبلدة الرس عام 1232هـ.


# كتاب(تاريخ الوهابيين وحياة العرب الاجتماعية) تاليف:أندرو كرايتون. ترجمة الدكتور عبدالله بن صالح العثيمين. دارة الملك عبدالعزيز بالرياض. عام 1434هـ. قال:
الحرب في الجزيرة العربية:
يقول المؤلف (ص 85) بعدما تحدث عن العمليات الحربية لمحمد علي باشا في جنوب الجزيرة (وتُرَكت بقية الحرب في الجزيرة العربية عند ذاك في يد طوسون باشا, الذي كان قد وجّه عمليات في الشمال ضد عبدالله بن سعود حينما كان أبوه يخضع القبائل الجنوبية. وعندما أصبح نجاح محمد علي معروفا عند العرب على حدود نجد قدم كثير من زعمائهم إلى المدينة. واقترحوا على طوسون أن ينضموا إليه ضد الوهابيين الذين عانوا من قوتهم أكثر مما عانوا من الآخرين البعيدين بدرجة كبيرة. وبتلك التأكيدات صارت لديه آمال في إخضاع منطقة نجد ومنافسة أبيه في الشهرة. وانطلق في حملة صغيرة مكونة من (2500) رجل مشاة وفرسانا, وقرر أن يجرّب حظه بالهجوم على القصيم, وبعد مسيرة عشرة أيام أو أحد عشر يوما وصل إلى الرس, وهي بلدة ذات شأن, محاطة بسور للدفاع عنها, وأبدت تلك البلدة مع عدة قرى كبيرة خضوعها له. لكنه وجد نفسه هناك في وضع غير ثابت. فقد اكتشف أنه ـ مثل أكثر الأتراك ـ لم يُقدّر وسائله تقديرا كافيا, فجنود الوهابيين الخفيفة الحركة كانوا يتجوّلون من حوله, وقد جعلوا جيشه كله معتمدا على قريتين أو ثلاث قرى, للحصول على حاجاتهم اليومية, والطريق إلى المدينة كان مُحتلا من قبل العدو, وفي تلك المناسبة أحاطت بالشجاع توماس كيث قوة كبيرة, بينما كان مسارعا بخمسين ومئتي فارس لنجدة قائده, وسقط مع جنوده الذين مُزّقوا إربا. وفي ذلك الحدث قتل الاسكتلندي الشجاع أربعة من الأعداء بيده.
تصدي عبدالله بن سعود لطوسون:
ثم يكمل المؤلف (ص 87) (وفي أثناء ذلك لم يهمل عبدالله واجبه, إذ دخل هو الآخر بجيشه منطقة القصيم واتخذ قاعدة له بلدة الشنانة, التي لا تبعد إلا خمس ساعات فقط عن بلدة الخبراء, حيث خيّم طوسون. وفي تلك الورطة رغب الباشا المغامر أن ينهي حالة القلق والترقب بالدخول في معركة. لكن ضباطه وجنوده رأوا أن من الحكمة لمن هم في وضعهم أن يصطلحوا بدلا من الحرب. وكان محمد علي قد كتب أيضا إلى عبدالله قبل مغادرة الحجاز, حاثا إياه على الطاعة وعرض عليه شروطا للسلم, وفي الوقت نفسه خوّل ابنه أن يتوصل إلى هدنة معه إذا أمكن. تحقيق ذلك بشروط مناسبة له. وكان عبدالله ـ من جانبه ـ لديه أسباب لإيصال الأمور إلى نهاية هادئة. فقد رأى أنه حتى تحطيم قوة طوسون كلها سيكون ذا فائدة حقيقية قليلة بالنسبة له. طالما أن الأتراب في إمكانهم أن يعوضوا خسائرهم من المصادر الكثيرة في مصر. وعلم أيضا أنهم يمتلكون وسائل الرشوة, وأن بعضا من رفاق سلاحه كانوا في قرارة نفوسهم حلفاء لأعدائه.
وسرعان ما توصل الطرفان إلى اتفاق تنازل بموجبه عبدالله عن كل إدعاء بالمدن المقدسة, ورضي بأن يلقب نفسه بالتابع المطيع للسلطان, وأن تكون الطريق مفتوحة بحرية أمام الوهابيين لأداء الحج متى رغبوا ذلك. وأعاد طوسون بلدان القصيم التي استولى عليها, وفصل من جيشه كل الزعماء الذين انضموا إليه من أهل تلك المنطقة. وتُبودِل التصديق على الاتفاق باحتفاء لائق. وكانت كلمات بيانه الذي اعترف فيه زعيم الصحراء بتبعيته للباب العالي كما يأتي: "إلى طوسون إني أقف أمام أبواب رحمتك ـ أيها السيد ـ وأسأل عفو الله وعفو سموك, وأرغب أن أُقبل في عداد رعايا السلطان المؤمنين, ومن هذا اليوم فصاعدا سأطيع أوامره بالدعاء لشخصه الجليل في كل يوم جمعة في مساجدنا وفي أعالي الجبال. وأخيرا من جانبنا لن تكون هناك أي محاولة للعصيان, وعندما قُرئ ذلك على الجيش الوهابي  صاحوا بصوت واحد نعم.. نحن سنطيع". وبسرعة امتلآ الجو بالدعاء للسلطان بالعافية والمجد لجيشه. وحينئذ قلّد مندوب طوسون عبدالله نياشين الطاعة. وهي معطف وسيف وعدد من الخيل المزركشة. وقال له في إهدائه السيف هذه هو عهد إخلاصك. وسيكون حاميك ما دمت وفيا بوعدك, لكن إن عصيت أوامر السلطان سيدنا فسيكون أداة ثأره. ومرة أخرى ارتفعت أصوات المُخيّم بالصياح لرخاء السيد الأعظم, ووعدوا أن يُردّدا اسمه في صلوات الجمعة.
طوسون يغادر القصيم:
وقد غادر طوسون جزيرة العرب في بداية نوفمبر. ورُحِّب به في القاهرة بكل أنواع التشريف لشجاعته ومكانته السامية. واُطلِقت المدفعية إيذانا بوصوله. وازدحمت الشوارع بالجماهير لتحيي مُخلّص المدن المقدسة. لكنه قوبل بفتور من قبل والده وتاريخه الأتي قصير. فقد عُيّن لقيادة مجموعة كبيرة من الجنود معسكرة في رشيد للدفاع عن الساحل, وتوفي هناك بالطاعون في سبتمبر من السنة التالية 1818م. ولم يكن محمد على مخلصا في عرضه للسلم, وقد وجد بسهولة ذرائع لتجديد الحرب. فرسائله إلى عبدالله بالقبول كانت مبهمة جدا, لقد طلب إعادة الكنوز التي أخذها والده من قبر النبي صلى الله عليه وسلم, كما طلب أن تخضع الدرعية لسلطة حاكم المدينة, ورفض أن يؤكد الاتفاقية ما لم يتخلّ الوهابيون له عن منطقة الأحساء. وكان الخداع إحدى أعظم صفات محمد علي والملامح الممقوتة في شخصيته...) أ.هـ.
حملة إبراهيم باشا على نجد:
ثم يكمل الرحالة كرايتون حديثه(ص 91) عن حملة إبراهيم باشا على نجد بالتفصيل فيقول (وأظهر الباشا من جانبه نشاطا مساويا. فعندما زال خطر الغزو والثورة في مصر أمر بأن تُعدّ إلى الحجاز حملة قوية, عهد بقيادتها إلى ابنه المُتبنّى إبراهيم. وهو أمير مشهور بالشجاعة, ميّز نفسه من قبل بالقضاء على المماليك. المتمردين.. وفد خّصصت ستة شهور لنقل الذخائر العسكرية. وفي سبتمبر من عام 1816م غادر القائد القاهرة مصحوبا بنحو ألفين من المشاة الذين أبحروا من القصير على ينبع وألف وخمس مائة من فرسان البدو الليبيين الذين ساروا عن طريق البر, وكان معه بعض الضباط الفرنسيين. والبطل العربي الشيخ راجح. الذي سبق أن أُرسل إلى مصر مُقيّدا, لكنه الآن أُطلق سراحه, لأنه قد يبرهن على أن خدماته مفيدة للحملة. وكانت الأوامر أن يهاجم الدرعية عن طريق المدينة فالقصيم. وبعد عشرة أيام من وصوله إلى ينبع وصل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وهناك نذر ألا يغمد سيفه أبدا. وأن لا يشرب النبيذ أو أي شراب محرّم حتى يقضي تماما على أعداء الدين. وبسلوكه الطريق التي سبق أن سلطها طوسون وصل إلى الحناكية, حتى بقي هناك عدة أسابيع في مناوشات ونهب. وانضم إليه بعض الزعماء المجاورين وبينهم غانم شيخ حرب الذي أحضر معه خمس مئة من قبيلته. ولم يكن هناك شيء أكثر حاجة من مثل تلك التعزيزات. وذلك أن جنوده كانوا يعانون من أمراض وبائية. ومن حرب الصحراء المرهقة, فقد وجد العرب طرقا للتسلّل إلى معسكر الأتراك. حيث كانوا يقتلون إبلهم وخيلهم أن يقطعون أرجلها وأيديها.
حصار إبراهيم باشا للرس:
ويكمل المؤلف حديثه (ص 93) فيقول: وقد خيّم عبدالله بجوار عنيزة, وكان يضمر مشروعا جريئا, وهو السير إلى المدينة على رأس ثلاثين ألف رجل, في حين يسير أخوه فيصل إلى جدة ومكة وينبع, وبذلك يقطع خطوط الجنود والمؤن القادمة من مصر, وقد منعه عن القيام بتلك الحملة ثورة بعض حلفائه. وهزيمة جيش كان يقوده شخصيا, مكوّن من عشرة آلاف جندي, وكانت بلدة الرس أول بلدة شكّلت عقبة خطيرة في وجه تقدّم إبراهيم. وقد كانت محصّنة بقوة وميّز أهلها أنفسهم بشجاعة رائعة, وساعدت النساء فيها مدافعيها البواسل, فصُدّ المحاصرون في كل المواضع وقّتل من الأتراك ثلاثة آلاف. وكانت الضحايا تزداد يوميا ولقد عُرضت أمام السكان مئات من رؤوس الوهابيين المقتولين أملا في أن ذلك المشهد قد يرعبهم فيستسلمون, لكن ذلك زاد رغبتهم في الثأر.
رفع الحصار عن الرس:
وأمام ذلك الوضع الخطير والوقوع في محنة شديدة, اضطر إبراهيم إلى رفع الحصار بعد أن أضاع ثلاثة شهور وسبعة عشر يوما في مجهود غير مفيد. لكن ذلك كان ـ على أي حال ـ هو الانتكاسة الوحيدة التي واجهها, وبدا كأن حظ أبيه قد عاد فجأة, فقد تقدّم في مسيرته من نصر إلى نصر, وغسل دم الضالين بسرعة الإهانات التي تلقّاها جيشه أمام سور الرس, فقد استسلمت له الخبراء بعد قصفها بالمدفعية بضع ساعات, ثم تلتها عنيزة وفرّ بعض الجنود دون أن ينتظروا مواد الاستسلام. وخضعت جميع بلدان القصيم وقبائله للأتراك. أما عبدالله فتراجع من موقع إلى آخر أمام الغزاة. ورأى كل حصونه تسقط في أيديهم. بريدة فشقراء فضرما التي استولى عليها العدو وخُرّبت) أ.هـ.
كتبه: عبدالله بن صالح العقيل ـــ الرس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

الرحّالة فيلكس مانجان يتحدث عن حرب إبراهيم باشا لبلدة الرس عام 1232هـ.

والرحّالة (فيلكس مانجان) في كتابه(تاريخ الدولة السعودية الأولى وحملات محمد علي على الجزيرة العربية) حتى عام: 1823م الذي ترجمه أد. محمد خير محمود البقاعي ونشرته دارة الملك عبدالعزيز في الرياض. ط1/1424هـ. وقد ذكر الرس في مذكراته.
حملة طوسون باشا على نجد:
قال (ص 91) متحدثا عن حملة طوسون باشا على نجد (أما طوسون باشا فقد ترك في المدينة المنورة جيشا يبلغ عدده 2500 من الفرسان والمشاة تحت قيادة أحمد آغا بيلاني بوكوردان, واتجه على رأس قواته نحو بلاد نجد, وقد كان معه ناهيك عن المدافع الثلاثة كثير من البدو المتحالفين مع الأتراك والتقى خلال سيره بعض الأعداء الذين اضطروا إلى الهرب, وأسر ثلاث مئة رجل ولما وصل إلى حدود منطقة القصيم, ذهب إلى الشنانة التي استسلمت له بعد حصار دام يومين. وانتشر خبر هذه البداية المظفرة. وانتشر الخوف من جيش طوسون المسلح, وجاءه إلى مقر قيادته العامة زعماء بلدة الرس ليعقدوا معه اتفاقية يقدمون بموجبها للجيش مؤنا مدفوعة الثمن, على ألا يدخل الجيش البلدة, وتعهد طوسون باشا بتنفيذ ما يتعلق به من الاتفاقية, بيد أنه اتخذ تدابير للاقتراب من البلدة. وقد كان قد أصدر أمرا بالرحيل عندما وصل والده إلى المدينة المنورة مما جعله يعلن مشروعة في الاستيلاء على نجد, وعاد إلى الحناكية بهدف رؤية والده, وبينما كان في طريقه إليها أتاه خبر عاجل من المعسكر عند الرس بأن عبدالله بن سعود يتقدم على رأس جيشه نحو الرس, وأنه إذا لم يسارع بالعودة فإن قواته ستعاني معاناة كبيرة. خصوصا وأنه يبدو أن العدو ينوي قطع طرق الاتصال بين نجد والحجاز, ولما علم طوسون بذلك عاد مسرعا نحو قواته, وقد كان يسير بسرعة كبيرة تمكن بها من الوصول أمام الرس قبل أن يتمكن عبدالله من الحيلولة دون ذلك. هجم عبدالله على البدو الموالين للجيش التركي, وتمكنت قواته المنتشرة في الأرياف من الاستيلاء على قافلة تحمل ذخائر حرب قادمة من المدينة المنورة. يحرسها 200 من الفرسان قتلوا جميعا, وكان يقودهم خزندار طوسون باشا وقد لقي المصير نفسه. وقد حزن عليه طوسون باشا حزنا شديدا, وجاء مشايخ الرس يقدمون فروض الطاعة لطوسون باشا. فاستقبلهم أحسن استقبال, وخلع عليهم الخلع وأتحفهم بالهدايا, وأوصاهم بالخطبة للسلطان في صلاة يوم الجمعة, وقام أمامهم بتعليم إمام البلدة طريقة تلاوة الخطبة للسلطان. كان باستطاعة طوسون بهذا العدد القليل من القوات التي ترافقه أن يتوغل إلى مسافة أبعد, ولكنه كان يأمل بوصول دعم جديد يسمح له بالسير نحو الدرعية. وعلى الرغم من أنه تم الاتفاق على ألا يدخل الأتراك الرس, إلا أن طوسون دخلها يوم الجمعة, بحجة الذهاب إلى المسجد كما هي العادة. وبعد أن أدى الصلاة ذهب إلى منزل كبير المشايخ, كما لو كان مدعوا للغداء, وما أن دخل المنزل الذي كان يشبه القلعة حتى أرسل سرا يأمر المشاة بالمجيء للإحاطة به, وأن يتمركزوا على أبواب المدينة, حيث اتخذ لقواته كلها سكنا فهدموا قسما من أسوار البلدة والحصون, لمنع السعوديين من التحصن فيها بعد الآن. وبعد هذه الترتيبات حدد طوسون رواتب البدو, وطلب أن يتركوا لديه بعض الرهائن, واشترى قمحا وشعيرا وذرة لتموين جيشه. وبينما كان مقيما في الرس جاءه زعماء الخبراء والبكيرية والهلالية والشنانة يجددون ولاءهم. وبعد ثمانية أيام وجد نفسه مجبرا على الذهاب لنصب معسكره في الخبراء, لقد أصبحت القرى المحيطة بالرس في وضع مزر لم يبق فيها مراع, إذ كان البدو الموالون للأتراك وحدهم يمتلكون أكثر من عشرين ألف جمل ومائتي ألف رأس غنم, وقد ذهب طوسون باشا بعد ذلك إلى الشبيبية, وترك فيها بعض القوات.
وكان عبد الله بن سعود موجودا في عنيزة وكانت قواته تسيطر على المناطق المحيطة بها. وكان البدو الموالون للأتراك يشتبكون غالبا مع أنصاره من البدو, واستمرت المناوشات عشرين يوما متتالية.
وعلم طوسون باشا في صباح أحد الأيام أن السعوديين يتجهون صوب معسكره. فأرسل قوات استطلاع من الفرسان ونصب مدفعين ومدفع حصار, وبعد بضع ساعات ظهرت جماعات مسلحة, وانقضى ما بقي من سحابة اليوم. في مناوشة بين البدو الذين كانوا في طليعة الجيشين. فخسر السعوديون خمسين قتيلا, وأربعة وثلاثين جريحا. ولم يغب عن المعركة من البدو إلا عشرين رجلا. ولما اشتد الحر (35) وبدت للسعوديين استحالة مهاجمة المعسكر انسحبوا.
وفي اليوم التالي خصص الباشا ثلاثين تالرا لكل جريح من البدو. وكمية من الرز والسكر ومائة تالر لأهل كل قتيل منهم. وإذا كان بينهم أب للقتيل أو أخ فإنه يعطيهم ألبسة أيضا. وأرسل في اليوم التالي فرقة مدعمة من الفرسان باتجاه عنيزة التي كان السعوديون يسيطرون عليها. ووقع اشتباك دام عدة ساعات انفصل الجيشان بعدها, وفي أثناء عودتها قابلت تلك القوات قافلة محملة بالتمر والقمح والذرة. فاقتادوها إلى المعسكر, بعد أن قتل من قتل من حراسها ولاذ الآخرون بالفرار.
وجاء بعض البدو في اليوم نفسه يخبرون طوسون باشا أن التونونجي الذي أرسله في مهمة لمقابلة محمد علي في المدينة المنورة قُتل في أثناء عودته مع حاشيته قريبا من الرس. قتله جماعة من العدو, وكان البدو الذين حملوا إليه النبأ من الحرس الذين استطاعوا النجاة. وأكدوا لطوسون أن نائب الملك غادر المدينة المنورة إلى مصر. وأن القوات المتمركزة في المدينة المنورة انتقلت إلى الحناكية. وأن نقص المؤن ووسائل النقل منعها من الوصول إلى معسكر طوسون, لقد وقف طوسون حائرا أمام تلك الأنباء. فقد كان ينتظر وصول والده مع الدعم بالرجال والمؤن, لقد وجد نفسه في موقف حرج بعيدا عن المدينة المنورة يحيط به الأعداء من كل جانب بلا نقود ولا ذخائر ولا مؤن. ووصلت لدعم السعوديين قوات جديدة فانتشروا حول المعسكر ليمنعوا الجمال وقطعان الماشية من الذهاب إلى المراعي, وكانوا كلما التقوا البدو الموالين للباشا يسألونهم عن سبب قدومهم إلى قلب بلادهم: " كانوا يصيحون في وجوههم لستم عربا لستم إلا كلابا وخدما أذلاء للأتراك. وستكونون عام قريب صيدا سهلا لنا انتم وقائدكم الذي جاء بكم إلى هنا " وكان البدو ينقلون هذه الشتائم والسباب إلى طوسون ويقولون له: إنهم لا يستطيعون الصبر على مثل هذا الهوان, وأنهم يريدون القتال مهما كان الثمن.
كان السعوديون قد أحكموا الحصار حول المعسكر ولم يعد بالإمكان أن تصل إليه أي مساعدة. ولما حاولت إحدى القوافل القادمة من الرس المؤلفة من مائة جمل محملة بالمؤن الوصول إلى المعسكر استولى عليها السعوديون على بُعد فرسخ منه. وحزم طوسون أمره على التراجع نحو الرس التي لم تكن تبعد عنه أكثر من مسير ست ساعات. ولم يخبر بذلك أحدا, ووضع خطة الانسحاب دون ضجة حتى لا يأتي الأعداء لمضايقته أثناء تنفيذها, كانت القوات تعاني من نقص المؤن وقام الباشا بجمع قادة الوحدات العسكرية جميعا وأخبرهم أنه ينوي القتال, وسعى إلى بث الشجاعة في نفوسهم عندما قال لهم: إنه إذا كان السعوديون واثقين من قوتهم فإنهم سيبادرون هم أنفسهم بمهاجمته, ووزع في الوقت نفسه الذخيرة على الجنود وجهّز الجمال للنقل.
واستمر الرحالة فيلكس مانجان يروي أمر الحرب ويقول: وعند منتصف الليل تنادى المعسكر بالرحيل. وانتشر الخوف واللغط بين الناس لاعتقادهم أنهم سائرون باتجاه العدو, وأوكل طوسون باشا مدفعيته إلى فرسان قبيلة حرب الذين كانوا في طليعة القوات, وكلفهم بقيادة المشاة عبر طرق غير رملية, وأعلنت طلقة مدفع حلول وقت الرحيل, واتجه البدو من قبيلة الحويطات إلى أكمة تشرف على المعسكر السعودي ونصبوا عليها البيارق ليظن السعوديون أن الهجوم قد بدأ.
وركب طوسون على رأس الفرسان وكان بدو الحويطات يحمون مؤخرات القوات, وقبل الظهر كانت القوات قد وصلت آبار الحجناوي, فتزود الجميع بالماء واتجهوا من هناك إلى الرس دون أي إطلاق نار.
ولما وردت أنباء تحركات الجيش التركي, استنفر السعوديون قواتهم واستعدوا لرد الهجوم ولكنهم ما إن رأوا الأتراك ينسحبون حتى انطلقوا في أثرهم, ولما وصل طوسون باشا إلى الرس نظم قواته من جديد. وأرسل بعض الفصائل إلى الهلالية والبكيرية لشراء المؤن. وسارع أهل القرية الأولى إلى الفرار منها, أما أهل البكيرية فتلقوا جنود طوسون باشا بالرصاص, حتى وصلت فصيلة جديدة من المشاة اضطرتهم إلى الاستسلام وقد عيد طوسون باشا على هاتين القريتين حاكمين من طرفه وهدم أسوارهما. ولما علم أهل الشنانة أن السعوديين استولوا على قافلة كانت متوجهة إلى معسكر الأتراك اتفقوا مع أهل الرس على مفاجأة الحامية التركية في الرس والفتك بها. وعلى الرغم من أتن أهل الرس كانوا على استعداد لتقديم العون لأبناء جلدتهم غير أن خطتهم غير المحكمة أبطلها حاكم الرس الذي علم بالأمر في الوقت المناسب فأمر بنزع الأسلحة من الأهالي.
وبعد أن أخضع الهلالية والبكيرية أرسل الباشا قواته إلى الشنانة وحاصرها أربعة أيام. وخسروا مائتي رجل ثم استسلموا. فأمر طوسون باشا بهدم البيوت وتشتيت شمل الأهالي.
الصلح بن عبدالله بن سعود وطوسون باشا:
استمر مانجان يتحدث عن الحرب بين الطرفين فقال (ص98) (كان السعوديون يعسكرون حينئذ في الحجناوي على بُعد ثلاثة فراسخ من الرس, واستقر الرأي على أن تذهب قوات طوسون لمهاجمة السعوديين, كانت نهاية الهدنة قد اقتربت وأراد طوسون أن يستغل حالة السلم ليفاجئ السعوديين, وقرر ناهيك عما سبق أن عبدالله إذا أرسل أحدا ليقدم اقتراحات جديدة فإن الجواب سيكون أنه ليس هناك أي مجال لإجراء أي مفاوضات حتى تسليم الدرعية. وحتى يضع نفسه وجميع أقرباءه تحت سلطة الجيش التركي. ليجر ينقله إلى استانبول. وفي اليوم الذي تلا هذه الترتيبات استولى السعوديون على قطعان ماشية البدو  التي كانت متجهة إلى المراعي. فأمر طوسون أن تستعاد القطعان بقوة السلاح. وقاد الخزندار بنفسه القوات, وهجم على العدو الذي كان في انتظاره. مستعدا للقتال. كان الحر شديدا طوال ذلك اليوم. حتى أن الجنود الذين أنهكهم الحر طوال النهار لم يكونوا يستطيعون المشي في وسط الرمال. وعاد الخزندار إلى مواقعه. وقد بدأ له أن أمامه صعوبات ضخمة ينبغي تجاوزها. حينئذ بادر القادة الذين اختاروا الحرب عندما سئلوا إلى الصباح بأعلى أصواتهم: أنه ما دام عبدالله يطلب السلام وبعد الخضوع للسلطان فإنه ينبغي الموافقة على ذلك بشرطين هما:
1ـ أن يترك الأتراك في الرس والخبراء قوات يقدم إليها الأهالي المؤن بأسعار يتفق عليها.
2ـ أن يقدم السعوديون رهائن بانتظار أن يوافق نائب السلطان على الاتفاقية أو يرفضها. فإذا رفضها عاد الرهائن إلى ذويهم ورحلت القوات التركية عن الأراضي التي تحتلها.... وقد قبل عبدالله بهذه الشروط وعقد طوسون معه اتفاقية حسب الشروط المذكورة.... وبعد أن انفض المجلس وانصرف عبدالله إلى خيمته جمع طوسون باشا قادة الجيش وأعلمهم بالاتفاقية التي وقعها لتوه, وأخبرهم أنه ينوي الاستيلاء على الرس عسكريا وأن يرسل قوات إلى الدرعية لتقيم هناك إلى جانب عبدالله بن سعود, وأن يأخذ منه رهائن حتى يعود المبعوثون من القاهرة, ولما كان لا يرغب القيام بأي شيء دون موافقة قادة الجيش, فإنه أمهلهم يومين للتفكير بتلك الإجراءات, لكي يتمكن كل واحد منهم من ممارسة حقه الذي يوفره له القانون, في الإدلاء برأيه وعرض الأمر نفسه على شيوخ البدو بعد أن جمعهم وقال لهم: إن كونهم قوما رحلا شأنهم شأن أهالي نجد يجعلهم أكثر قدرة على فهم عاداتهم وتقاليدهم, وأوصاهم بعقد مجلس استشاري وأن ينقلوا إليه بعد يومين النتائج التي تجمع عليها آراؤهم. وقد شارك في هذه الاجتماعات وجهاء المدينة المنورة الذين كانوا في المعسكر.
وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقية كانت بجميع بنودها لصالح الجيش التركي, فإن ما جعله يقبل بها هو الحالة الحرجة التي كان عليها, كان ينقص جيش طوسون باشا المؤن والأموال والقوى اللازمة لمتابعة الحرب. ولم يكن هناك بارقة أمل في وصول الدعم. لأن الخزندار أحمد آغا أكد لطوسون باشا أن الإمكانيات المالية انخفضت في مصر انخفاضا ملموسا, وأن الدعم لن يصل إلا متأخرا, وأنه من المستحيل الحصول على المؤن وذخائر الحرب من المدينة المنورة. التي تبعد مسيرة اثني عشر يوما من الرس, ولا من أي مكان آخر بسبب نقص الجمال لنقل الدعم. ونقص الجنود الذين يحرسونها)أ.هـ.
بعد الصلـح:
ثم يتابع الرحّالة مانجان حديثه عن الحرب حول الرس (ص111) بعد أن تم توقيع الاتفاقية قال (كان عبدالله بن سعود قد عيّن وجيهين من وجهاء الدرعية مبعوثين له أرسلهما إلى القاهرة وهما: عبدالعزيز بن حمد بن إبراهيم حفيد الشيخ وعبدالله بن محمد بن بنيان, ومنذ أن استلما رسائل اعتمادهما, وآخر توجيهات أميرهما أمر بمرافقتهم وأرسل معهم الرهائن حتى مدينة الرس, حيث كان معسكر العثمانيين وكان طوسون بانتظارهم, وفي اليوم التالي لوصولهم أمر طوسون باشا معسكره بالرحيل باتجاه المدينة المنورة يحمل معه الرهائن, وأرسل مبعوثي عبدالله بن سعود إلى مصر بقيادة سلحداره. وما إن غادر الجيش التركي أنحاء الرس حتى توجه عبدالله بن سعود إلى عنيزة وجمع زعماء منطقة القصيم وأرسلهم إلى الدرعية, وعيّن آخرين في مناصبهم. وعاقب أنصار الأتراك وزرع بذور الشقاق بين حلفاء الأتراك من البدو, واتخذ إجراءات لتحصين الدرعية والمدن الكبرى في الأراضي التابعة له...).
حرب إبراهيم باشا على الرس:
ثم أخذ الكاتب مانجان يروي قصة الحرب بين إبراهيم باشا وأهل الرس, تلك الحرب التي دامت ثلاثة شهور وسبعة عشر يوما من: 25/8/1232هـ حتى تاريخ: 12/12/1232هـ وقال قبل وصف المعركة (ص134) (وعلى الرغم من الوباء الذي كان يجتاح معسكره كان إبراهيم باشا يستعد لمحاولة القيام بهجوم مفاجئ على الرس, واختار 1500 رجل وانضم إليهم ما يقارب 1200 بدوي) كما قال عن عبدالله بن سعود الذي يستعد للتصدي إبراهيم باشا (ص 138) (وأرسل إلى الرس دعما قوامه مائتا رجل وذخائر).
ثم إن عبدالله بن سعود بدأ يجهز نفسه وجيشه لملاقاة إبراهيم باشا الذي قدم إلى نجد بجيش تركي كبير... كما أن فيصل الدويش أراد أن ينظم إلى الجيش التركي بقيادة إبراهيم باشا مع الحذر أن يطارده عبدالله بن سعود. وأرسل ابن أخيه للباشا يخبره بأنه ما إن يصل أمام الرس حتى يأتي فيصل لمفاوضته.
وصف الحرب:
ثم بدأ المؤلف مانجان يصف الحرب بين إبراهيم باشا وأهل الرس (ص 140) فقال (ودفعت هذه التطمينات إبراهيم باشا إلى الرحيل, لقد انطلق من ماوية في الأيام الأولى من شهر يوليو على رأس 4000 من الجنود المشاة و 1200 فارس, ناهيك عن البدو, واعتلت صحته بسبب التعب الذي تكبده من قبل, ولم يفعل شيئا للعناية بها فشعر خلال الطريق بشيء من الإنهاك, أجبره على لزوم خيمته مدة ستة أيام. وطلب من علي أزن أن يسبقه, وأعطاه ألفي رجل وسلحه بثلاثة مدافع وأرقى أكثر الجيش معه. وما كاد يتماثل للشفاء حتى نهض للسير, وما لبث أن أدرك رجال الطليعة على بُعد يومين من الرس. كان الجيش يتقدم بحذر خوفا من ملاقاة العدو ويتخذ من تقدمه التدابير اللازمة. وكان كلما أوغل في المسير أصبح الماء الصالح للشرب نادر الوجود. وكان لا يكاد يكفي الرجال والخيول, أما الجمال فإنها ليست المرة الأولى التي تظل فيها ثلاثة أيام دون أن ترد الماء. وبينما كان الجيش يتقدم نحو الرس. برّ فيصل الدويش بوعده لإبراهيم باشا, وجاء لملاقاته على رأس أبناء قبيلته. وعقدا اجتماعا طويلا ووعده إبراهيم باشا بتعيينه حاكما على الدرعية. لقد أصبح فيصل الدويش تابعا للقيادة العامة, وقدم لحليفه وسائل النقل والمؤن, ومنذ ذلك الوقت أصبحت قبيلته جزءا من الجيش التركي. كانت بلدة الشنانة التي ظهرت للجنود في الأفق البعيد تبدو من خلال الخضرة التي تكتنفها بلدة كثيرة الخيرات وافرة النعم, ولكن عبدالله بن سعود كان قد خربها, وأخذ القادرين من أهلها على حمل السلاح لتعزيز القوات الموجودة في الرس. أما الشيوخ والنساء والأطفال فقد تراجعوا مع الماشية إلى نواحي شقراء. وكان التعب والإعياء قد نال من القوات فأقامت ثمانية أيام في واحة الشنانة لأنها كانت تحتاج إلى الراحة بعد المشقة والتعب.
وقبل أن يصل إبراهيم باشا بقواته أمام الرس قام على رأس 500 فارس بعملية استطلاع لمراقبة الوضع والمكان. وعاد في اليوم التالي إلى معسكره, وقد قتل اثنان من رجاله وجرح خمسة, في مناوشة مع مفرزة من جنود الحامية السعودية.
وفي اليوم التالي صدرت الأوامر بالمسير, ولما وصلوا أمام الرس حاصروها ونُصبت المدافع في الحال, ولم يكلف الجيش نفسه عناء اكتشاف أضعف الأماكن في التحصينات, وبدأ إطلاق النار على السور المحدق بالمدينة, كنا نرى القنابل تهدم البيوت وكان بعضها ينفجر قبل أن يكمل خط سيره المنحني, وبعد ستة أيام من القصف المستمر أمر إبراهيم باشا بالهجوم في الساعة الثانية ليلا, دون أن يحدث نقبا في السور يدخل منه المهاجمون, ودون أن تمتلك القوات المهاجمة أي وسيلة لمحاولة تسلق السور, ودون أن تقع عيونهم على حفرة عميقة وعريضة تقع بالقرب منه. وكانت العلامة المتفق عليها لهجوم المشاة هي طلقة مدفع. وما إن أُطلقت حتى تحركت قوات المشاة, في حين كانت بعض الوحدات تستكشف الريف, وتسهر على ألا تهاجم الحامية والأهالي. وكان علي أزن مع الدلاة والمغاربة مكلفين بلفت نظر العدو إلى موقع معين. والتظاهر بالهجوم عليه, ولم يكن في ذلك الموقع إلا مدفعان إلا أن المحاصرين استرشدوا بدوي المدافع التركية لمعرفة موقع القوات المعادية. التي بذلت جهدا بلا طائل. كانت النساء وراء الأسوار يشعلن سعف النخل الجاف المطلي بالصمغ, لإضاءة الميدان للمدافعين عنهم وكان إطلاق النار من البنادق مستمرا, ولم تهدأ حجة الهجوم خلال أربع ساعات. لقد تصدى المحاصرون لهجوم الأتراك في كل المواقع, فاضطر هؤلاء إلى التراجع ولم نكن نرى إلا القتلى والجرحى. وقد أدى هذا الهجوم المميت الذي كان التخطيط له سيئا إلى إصابة 800 رجل بين قتيل وجريح. ولم يفت هذا المنقلب السيئ من عضد إبراهيم باشا الذي لم يكن يأمل بوصول الدعم. بعد أن توغل إلى مسافة بعيدة في وسط الصحراء. وكان يعلم أن عبدالله بن سعود يعسكر بين عنيزة وبريدة. وأن أخاه فيصلا الذي كان في حملة استطلاع في أنحاء الرس يمكن أن يأتي لدعم المدينة المحاصرة. ولكن إبراهيم باشا حافظ على هدوئه وصفاء نفسه, وكانت بشاشته تواسي جنوده, من الإخفاق الذي حاق بهم. وقد كان ينبغي على الرغم من ذلك إيجاد وسيلة للاستيلاء على الموقع. وقام جنود إبراهيم باشا بناء على رأي أحد المهندسين الأتراك في الحملة بقطع عدد كبير من أشجار النخيل وقام هذا المهندس الأخرق باستخدام هذه الأشجار بعد أن قطعها إلى قطع متساوية لبناء متاريس ينصب عليها المدافع, ولم يكن هذا العمل الذي أقيم بلا أية رؤية فنية متينا. وانهار انهيارا تاما عند أول هجوم.
كان عدد القتلى يتزايد كل يوم وكانت غالبيتهم على وشك الموت, إما بسبب جراحهم البالغة وإما بتأثير الطقس وسوء وضعهم. وقد تعززت قوات إبراهيم باشا بوصول دعم قدره 900 رجل بقيادة البنباشي ياور علي. عوض الخسارة التي نزلت به منذ بدء الحصار, وما إن وصلت هذه القوات حتى كان إبراهيم باشا يفكر بالقيام بهجوم آخر. وعند طلوع الفجر توجهت القوات نحو المدينة, ولم يسفر الهجوم عن شيء وأجبرت بسالة المدافعين المحصورين الأتراك على التراجع, ولم تكن نتيجة هذا الهجوم أقل سوءا من الهجوم الأول, وأصيب ياور علي الذي كان في الطليعة مع بعض من أكثر الجنود شجاعة بجرح بالغ.
بسالة أهل الرس في الحرب:
ثم يكمل الكاتب مانجان حديثه عن الحرب (ص 142) فيقول: كان فيصل شقيق عبدالله بن سعود يتجول في المناطق المجاورة ولكنه لم يجرؤ على التصدي للأتراك ومساعدة أهل الرس. كان أهالي المدينة يدافعون عن أنفسهم بشجاعة ويقومون ببعض الغارات, ولما لم تكن لديهم الإمكانيات الكافية ولا الخبرة في فنون الحرب, فإنهم اكتفوا برد طلائع المهاجمين, والانقضاض على المدافع دون أن يسدوا ثقوبها بالمسامير لتصبح غير صالحة للاستعمال, كانوا يهاجمون أعداءهم بالبنادق ذوات الفتيلة والرماح, وحينما رأى المحاصِرون ما حل بهم فكروا بزرع ثلاث متفجرات ولكن المحاصَرون أبطلوا مفعولها. ولم يبق لدى الأتراك وسيلة يعتمدون عليها سوى الهجوم بكل مل يملكون من قوة, إذا لقد حاولوا القيام بهجوم ثالث ولم تكن نتائجه مختلفة في فشله وخيبته عن الهجومين الأولين.
موقف إبراهيم باشا من الحرب:
كان موقف إبراهيم باشا حرجا لأن ثلاثة آلف رجل من رجاله لقوا مصرعهم عند أسوار الرس. ونفدت ذخائره وبدأ النقص في الأغذية, وكانت المجاعة تهدد بقية جيشه, وعلى الرغم من ذلك كله فإن إبراهيم باشا ظل محتفظا بموفقه الحربي.
كان فيصل الدويش يرغب في سقوط عبدالله بن سعود فبذل كل ما في وسعه لجعل البدو الموالين لعبدالله ينفضون من حوله. لقد كان لتدخل فيصل هذا ومعه غانم بن مضيان الفضل في إبقاء طرق المواصلات وراء الجيش التركي آمنة.
كان كل شيء في حصار الرس يفسد الجهود التي يبذلها إبراهيم باشا, إذ ما لبث الجو أن أصبح عاصفا, وكانت الرياح العاصفة العاتية تثير عاصفة كثيفة من الغبار وتقلع الخيام وتكاد تسلب الجيش القدرة على التنفس. كان الجرحى في وسط هذه العاصفة يموتون متأثرين بجراحهم. وأسهمت المعنويات المنخفضة لدى الجنود الذين تأثروا كثيرا لما حدث, إسهاما كبيرا في انتشار الأمراض, وفي الجانب الآخر كانت بعض فصائل السعوديين تقوم بغارات على الأماكن القريبة من المعسكر, وكانوا قد استولوا على ما يقارب مائة من الجمال مع سائقيها وحرسها, ولما سمع إبراهيم باشا بهذا الخبر امتطى جواده وتبعه حوالي ألف رجل, وبعد مسيرة أربع ساعات التقى بأعدائه فمزق شملهم في وقت قصير. وكان علي أزن صفيه المخلص يرافقه في هذه الحملة وقتل في هذا الالتحام 300 سعودي وقُطعت رؤوس الجرحى وعرضت على أسوار الرس على مرأى من الذين هم تحت الحصار. وملأ هذا العرض الشنيع نفوسهم رعبا, وأصبحوا يتحرقون شوقا للانتقام. لقد جعلوا الأتراك يدفعون غاليا ثمن ذلك الانتصار الذي حققوه.
طلب الصلـح:
كان عبدالله بن سعود يستطيع تخليص بلاده من أعدائه بقوة السلاح ولكنه أيضا أراد اللجوء إلى المفاوضات, فأرسل اثنين من مستشاريه الشيخ محمد الحنبلي وعبدالعزيز بن محمد إلى مقر القيادة العامة للجيش التركي, وعرض السلام على إبراهيم باشا شرط أن يرفع الحصار عن الرس, ولكن إبراهيم باشا لم يستمع إلى ما يحمله هذان المبعوثان وكان جوابه أن أنذر محمد بن مزروع أمير مدينة الرس بوجوب تسليم المدينة, فقال له الشيخ محمد الحنبلي " إن هذا ضرب من الخيلاء فأنت تهاجم الرس منذ زمن طويل ولن تستطيع الاستيلاء عليها" فاغتاظ إبراهيم باشا من هذا الكلام ولكنه جعل الشيخ بعد ذلك يندم على كلامه المهين. أما رد أمير الرس فكان بعبارات التهديد المشهورة " تعال خذها " واستؤنف القتال وخسر الأتراك بلا طائل كثيرا من الرجال والذخيرة. كان الجنود يطلقون النار بلا هدف ظنا منهم أنهم يرهبون حامية المدينة بإطلاق النار المتكرر, ولكن إخفاق جيش إبراهيم باشا في تحقيق النجاح لم يمنع السعوديين من متابعة مفاوضات الصلح. لأنه كان يود أن يكسب الوقت ليتيح لإخوته الزمن اللازم ليتحصنوا. فأرسل إلى إبراهيم باشا بمقترحات جديدة, ولكن هذا الأخير طلب منه أن يدفع نفقات الحرب, ومتأخر الرواتب للجنود, وأن يقدم ألفي جواد وثلاثة آلاف من الإبل ومؤنا تكفي الجيش ستة أشهر, وأن يرسل اثنين من أبنائه رهينتين لدى إبراهيم. ولما سمع صالح بن رشيد مبعوث عبدالله هذه الشروط المجحفة قال لإبراهيم باشا " إنه لا يتفاوض مع فلاح مصري وأن خصمه هو أمير نجد وحاكمها محارب شديد المراس, مشهود له بالشجاعة في المواطن كلها " ولم يتوصل الطرفان إلى الاتفاق على شيء.
الموافقة على الصلح:
ثم يكمل مانجان حديث المشاهد والمتابع عن حرب الرس فيقول (ص 145) بيد أن الأسى كان عظيما, إذ لم تُتخذ أي إجراءات لجعل المدينة تستسلم. تلك المدينة التي ما كانت لتصمد يومين لو أن الهجوم عليها كان منظما. أما فيصل الدويش الذي عاد من غارة على بعض القبائل المعادية فإنه حمل معه بعض الأسرى السعوديين, وما إن مثل هؤلاء الأسرى بين يدي إبراهيم باشا حتى أصدر عليهم حكما بالموت. وكان على الرغم من الإنهاك الذي حل بقواته لا يني يطالب باستسلام المدينة. أما الأهالي الذين أنهكهم الحصار فإنهم قرروا بالاتفاق مع حاكمهم إلى طلب هدنة يُتفق بعدها على تثبيت بنود اتفاق لم يكن فيه كثير مما يشرف الجيش التركي, فبعد ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما من الحصار أقر إبراهيم باشا بالخطر الذي يحيق به, ووافق على شروط صعبة دفعه للموافقة عليها وضع جنوده, ومقاومة المحاصرين.
بنود الصلـح:
اتفق الطرفان على أن يُرفع الحصار عن الرس, وعلى أن يذهب إبراهيم باشا مع جيشه حيث شاء, وعلى ألا يدخل هو أو أحد جنوده مدينة الرس, وأن الأهالي ليسوا مجبرين أن يقدموا أي شيء للجيش, وألا يُطلب منهم لا مؤن ولا غرامات, وأن مدينة الرس لن تقبل أن تقيم فيها حامية تركية. إلا إذا استطاع إبراهيم باشا الاستيلاء على عنيزة. وأنه إذا لم يتمكن من ذلك فإن المعارك تبدأ من جديد بين الطرفين المتنازعين. وبلغ عدد القتلى الأتراك الذين سقطوا أمام أسوار الرس 3400 رجل. وأما الأهالي والحامية السعودية فقد قتل منهم 160 رجلا, وجُرح عدد قليل. ولكن هذه كانت آخر الهزائم التي تلقتها قوات إبراهيم باشا. إذ فجأة وكأن قوة خارقة تدخلت لتغير مسار مصيره. بدأ هذا الأمير يسير من نصر إلى نصر وغسل بدماء السعوديين العار الذي لحق بقواته أمام أسوار الرس. ولم تكن هذه الانتصارات من فعل المصادفة فقط, لقد استطاع إبراهيم باشا بجسارته ورباطة جأشه أن يتغلب على المصاعب التي كان يمكن أن تفت بعضد رجل أقل بسالة منه. ولما رفع إبراهيم الحصار عن الرس توجه إلى الخبراء, التي ما لبثت أن استسلمت بعد أن تعرضت لنيران المدافع على مدى ساعتين, واستراح بها الجنود أحد عشر يوما, وقدم الأهالي إليهم القمح والشعير وحاجات أخرى بادر الأتراك إلى دفع ثمنها نقدا. وجاء فيصل الدويش وغانم بن مضيان من قبيلتيهما بالجمال اللازمة للنقل واتجه الجميع إلى عنيزة. ولما علم عبدالله بن سعود بالاتفاقية التي عقدت أمام الرس انسحب باتجاه بريدة, ونصب الجيش التركي خيامه في نواحي عنيزة حيث كان السعوديون فقد عسكروا قبل ثمان ساعات) أ.هـ.
انتقام إبراهيم باشا من خصومه:
وتحدث مانجان عن انتقام إبراهيم باشا من خصومه فقال (ص 179) وبعد رحيل عبدالله أمر إبراهيم بالقبض على الشيخين أحمد الحنبلي وصالح بن رشيد الذين سمحا لأنفسهما عندما جاءا إلى معسكره في الرس مبعوثين من عبدالله بمخاطبته بطريقة غير لائقة فأمر بخلع أسنان الأول ووضع الثاني على فوهة المدفع بعد أن أمر بضربه بالعصي) أ.هـ.
قتل أهل القصيم مطاوعتهم:
كما قال مانجان عن قتل أهل القصيم لمطاوعتهم (ص 265) وفي عام 1780م 1196هـ تواطأت بلدان القصيم على التمرد باستثناء بريدة والرس والتنومة وتآمر الأعيان سرا خلال اجتماع عقدوه في عنيزة وقتلوا أتباع عبدالعزيز الذين كانوا موزعين في أنحاء الإقليم, ولم يشعر بذلك أحد, وقبل أن ينفض الاجتماع أرسل الأعيان رسولا إلى سعدون يخبرونه بما عزموا عليه, ويطلبون منه الانضمام إليهم. سر سعدون كل السرور بهذا الخبر حتى أنه أهدى الرسول هدية ثمينة. وما لبث أن جمع قومه وسار بهم نحو إقليم القصيم, ولما علم المتآمرون باقترابه قتلوا عمال عبدالعزيز جميعا, فقام أهل الخبراء بقتل إمامهم ـ منصور أبا الخيل ـ وهو يصلي في المسجد, وفي الخبراء شنق المتآمرون أميرهم علي بن حوشان. وتآمر ثلاثة من أعيان بريدة لإشعال نار الفتنة في المدينة ولما علم أميرها حجيلان بن حمد بمؤامرتهم قبض عليهم وقتلهم. وقد أحرق في نواحي عنيزة كفيف مسكين. وفي عنيزة نفسها قبضوا على اثنين من عمال الزكاة وأرسلوهما إلى سعدون فقتلهما....) أ.هـ.
ثم قال مانجان (ص 368) (يُذكر في هذا الكتاب أن الرس تقع على مسافة اثني عشر يوما من المدينة المنورة.. والأيام المذكورة هي من ثماني ساعات فقط).
التعليق:
ـ قال متحدثا عن طوسون باشا (واتجه على رأس قواته نحو بلاد نجد, وقد كان معه ناهيك عن المدافع الثلاثة كثير من البدو المتحالفين مع الأتراك).
وأقول: لا يستغرب أن يقوم بعض أفراد البادية بالانضمام لجيش إبراهيم باشا لعدة أسباب. أولها: خوفهم من بطشه عندما يمر على ديارهم. ثانيها: أنه كان يغدق عليهم الأموال والملابس والأطعمة ليغريهم بأن ينضموا إلى جيشه, مع العلم بأنهم يعانون من الفقر وعطايا الباشا تغنيهم, ثالثها: أن بعضهم ليسوا موالين للدولة السعودية خاصة أهل المناطق البعيدة عن منطقة الحكم. وقد يبحثون عمن لديه القدرة في القضاء على الدولة. رابعها: أن قادة ومشايخ البدو لا يهمهم من يحكم الدولة, بل يهمهم من يعيشون تحت ظله بأمان. وقد يوجد أسباب أخرى. 
ـ قال (والتقى خلال سيره بعض الأعداء الذين اضطروا إلى الهرب).
وأقول: كان طوسون باشا يواجه بعض الهجوم من زعماء البادية الذين يمر من ديارهم خوفا من الهلاك من جيشه الذي لا يرحم أحدا, كما أن أفراد جيش الباشا يرغمون البدو على تقديم الأعلاف للإبل والخيول وقد يأخذون منهم ذلك بدون مقابل, كما أنهم يشترون حاجاتهم من إنتاج البادية وقد يظلمونهم في إيفائهم حقهم, ولا ننس بأن الباشا وجنوده يرون بأن من يخالفهم عدوا خارجا عليهم. مع العلم بأنهم هم المعتدون.
ـ قال (ولما وصل إلى حدود منطقة القصيم, ذهب إلى الشنانة التي استسلمت له بعد حصار دام يومين).
وأقول: الغريب أن بلدة الشنانة الصغيرة والقريبة من الرس صارت مسرحا للعمليات الحربية عند وصول طوسون باشا وإبراهيم باشا, وبعدهما عبدالعزيز ابن رشيد في معركة الوادي عام 1322هـ. وسبب ذلك: أنه عندما قدم طوسون باشا مع قواته إلى الرس وكانت غير محصّنة وليس فيها سور يحميها من الأعداء, اختلف أهلها منهم من يرى أن يتم التصدّي لطوسون باشا ومنعه من احتلال البلدة وهؤلاء قلّة, بينما يرى آخرون وهم الأكثر التسليم لطوسون لعدم وجود القوة الكافية لديهم للتصدي لجيش كثير العدد والعدة, ولذا فإن الذين يرون التصدّي لطوسون خرجوا من بلدة الرس وتحصنوا في مرقب الشنانة فأغار عليهم جيش طوسون وحاصروهم لمدة يومين لكنهم استسلموا لعدم قدرتهم على المواجهة.

ـ قال (وانتشر خبر هذه البداية المظفرة. وانتشر الخوف من جيش طوسون المسلح).
أقول: جيش طوسون باشا كان كثير العدد في حدود (4200) رجل بينما عدد أهل الرس حينها (300) رجل فقط فكيف لهم أن يتصدوا لهذا الجيش الغادر والذي يهدف إلى هدم البلدة وقتل أهلها. ثم إن قتل مجموعة من رجال البلدة غدرا في مرقب الشنانة لا شك بأنه يرهب البقية الذي يملكون عددا من البنادق البسيطة فقط.

ـ قال (وجاءه إلى مقر قيادته العامة زعماء بلدة الرس ليعقدوا معه اتفاقية يقدمون بموجبها للجيش مؤنا مدفوعة الثمن, على ألا يدخل الجيش البلدة).
وأقول: أن من أهداف حملات أبناء محمد علي باشا القضاء على كل الحكومات والإمارات وتدمير كل شيء يمرون عليه وهذا ما حصل, ولا شك بأن أهل الرس وغيرهم يحاولون قدر الإمكان المحافظة على بلدتهم من التدمير وعلى أنفسهم وأهلهم وأموالهم من القتل والنهب. لذا فإن عقلائهم رأوا عدم الخوض في حرب غير متكافئة ومعروف نتائجها, وتقدموا بطلب الصلح للمحافظة على مقدراتهم البسيطة فوافق طوسون لما رأى رغبتهم وبهذا حافظوا على أنفسهم وعلى بلدتهم.
ـ قال (خصوصا وأنه يبدو أن العدو ينوي قطع طرق الاتصال بين نجد والحجاز, ولما علم طوسون بذلك عاد مسرعا نحو قواته).
وأقول: الغريب في الأمر أن الأتراك زمن معهم من الرحّالة يصفون أهل نجد سواء كانوا حكاما أو مواطنين بألفاظ من الأولى أنها تطلق عليهم لأنهم هم المعتدين والذين دخلوا الجزيرة بقصد القضاء على الحكومة والمواطنين والبلدان. من تلك الألفاظ (الأعداء) (الخوارج) (الملاعين) (الخونة) وغيرها. وهم في هذا يصفون الإمام عبدالله بن سعود بأنه (العدو) مع أنهم يدركون بأنه يدافع عن ملكه. وأن أهل نجد يدافعون عن بلادهم ضد المعتدين.
ـ قال (وقد كان يسير بسرعة كبيرة تمكن بها من الوصول أمام الرس قبل أن يتمكن عبدالله من الحيلولة دون ذلك).
وأقول: هجم عبدالله على البدو الموالين للجيش التركي, وتمكنت قواته المنتشرة في الأرياف من الاستيلاء على قافلة تحمل ذخائر حرب قادمة من المدينة المنورة. يحرسها 200 من الفرسان قتلوا جميعا, وكان يقودهم خزندار طوسون باشا وقد لقي المصير نفسه. وقد حزن عليه طوسون باشا حزنا شديدا,
ـ قال (وجاء مشايخ الرس يقدمون فروض الطاعة لطوسون باشا. فاستقبلهم أحسن استقبال, وخلع عليهم الخلع وأتحفهم بالهدايا, وأوصاهم بالخطبة للسلطان في صلاة يوم الجمعة, وقام أمامهم بتعليم إمام البلدة طريقة تلاوة الخطبة للسلطان).
وأقول: لم يقل أحد من المؤرخين بأن أهل الرس جاءوا إلى طوسون باشا مستسلمين. ولكن ربما يُفسّر ذلك: بأن أهل الرس لم يكونوا مستعدين لمواجهة الأتراك وكان عددهم قليل وليس لهم القدرة على الدفاع عن أنفسهم أمام جيش كثير العدد ويحمل السلاح الفتّاك. كما أن البلدة حينها لم تكن محصّنة بسور منيع يصد الأعداء. ثم إن أهل الرس انقسموا مجموعتين في موقفهم من حرب طوسون باشا. الأمر الذي جعل من بقي في البلدة ولم يخرج إلى الشنانة موقفهم ضعيف وحولهم النساء والأطفال ويصعب الزج بهم في حرب غير متكافئة. فلعلهم أرادوا مهادنة طوسون من أجل أن يتقوا شرّه.          
ـ قال (وعلى الرغم من أنه تم الاتفاق على ألا يدخل الأتراك الرس, إلا أن طوسون دخلها يوم الجمعة, بحجة الذهاب إلى المسجد كما هي العادة. وبعد أن أدى الصلاة ذهب إلى منزل كبير المشايخ, كما لو كان مدعوا للغداء. وما أن دخل المنزل الذي كان يشبه القلعة حتى أرسل سرا يأمر المشاة بالمجيء للإحاطة به, وأن يتمركزوا على أبواب المدينة, حيث اتخذ لقواته كلها سكنا فهدموا قسما من أسوار البلدة والحصون, لمنع السعوديين من التحصن فيها بعد الآن).
وأقول: يروي أهل الرس بأن طوسون باشا بعدما حضر صلاة الجمعة في مسجد الشيخ قرناس دعاه الشيخ للقهوة في منزله فأجاب الدعوة ولكنه كان خائفا من الغدر به. لذا قد يكون دعا بعض المشاة من جنوده بان يطوقوا البلدة ومنزل الشيخ خوفا من الاعتداء عليه. كما قد يكون أمرهم بهدم قسما من سورها لأن هذا نهجهم التخريب والقتل. ولكنهم لم يتخذوا كل البلدة سكنا لهم. ولو كان ذلك صحيحا فأين ذهب أهل البلدة ؟. الذين يبلغ عددهم (300) رجل عدا النساء والأطفال. وكم مساحة البلدة حتى تستوعب كل الجنود الذين قادهم طوسون باشا ؟.
ـ وقال (وبينما كان مقيما في الرس جاءه زعماء الخبراء والبكيرية والهلالية والشنانة يجددون ولاءهم. وبعد ثمانية أيام وجد نفسه مجبرا على الذهاب لنصب معسكره في الخبراء).
وأقول: كل بلدات القصيم لم يكن حولها أسوار تحميها. ورجالها لم يمارسوا الحروب الكبيرة مثل جيوش محمد علي باشا. لذا ليس عليهم ملامة عندما يطلبون الصلح واتقاء شر جيش كبير مدجج بالسلاح والمدافع وأن يحافظوا على أهلهم ومنازلهم.     
ـ قال (وقد ذهب طوسون باشا بعد ذلك إلى الشبيبية, وترك فيها بعض القوات)
وأقول: الشبيبية مثل الحجناوي والشنانة والخبراء كلها كانت مسرحا للحروب الطاحنة بين أهل القصيم وطوسون باشا وبعده أخيه إبراهيم باشا. الذين أتوا للدمار والقتل فحسب.
ـ وقال (وفي اليوم التالي خصص الباشا ثلاثين تالرا لكل جريح من البدو. وكمية من الرز والسكر ومائة تالر لأهل كل قتيل منهم. وإذا كان بينهم أب للقتيل أو أخ فإنه يعطيهم ألبسة أيضا).
وأقول: هذا نهج الطغاة والمحاربين يجلبون معهم إلى مواقع الصراع بعض الأطعمة والألبسة والمبالغ من أجل أن يستميلوا بها عواطف السكان ومن حولهم. وأبناء محمد علي عندما قدموا إلى نجد أخذوا يتقربون من البدو الذين يسكنون حول البلدات التي يمرون عليها حتى يأخذونهم أدلاّء ومحاربين).  
ـ ثم قال (وبعد أن أخضع الهلالية والبكيرية أرسل الباشا قواته إلى الشنانة وحاصرها أربعة أيام. وخسروا مائتي رجل ثم استسلموا. فأمر طوسون باشا بهدم البيوت وتشتيت شمل الأهالي).
وأقول: كان في الشنانة مجموعة من أهل الرس تحصنوا في مرقبها بعد أن اختلفوا مع مجموعة أخرى بشأن التصدي لجيش طوسون باشا أو مهادنته. وعندها أرسل لهم طوسون باشا قوة لقتالهم. لكنهم أخذوا يصطادون جنود الباشا بالبنادق من فوق المرقب حتى أبادوا منهم مائتي رجل. فانتقم الباشا منهم بهدم المنازل وتفريق الأهالي. وهذا نهج الغزاة إذا عجزوا عن مقاومة الرجال جعلوا انتقامهم في الأهالي العزّل وهدم المنازل.
كتبه: عبدالله بن صالح العقيل ــ الرس.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ