السبت، 4 يوليو 2015

سليمان بن هلي العقيل (العسيري)

سليمان بن علي العَقِيْل
1237 ـ 1300 هـ تقريبا.
هو سليمان بن علي بن سالم بن صالح بن عَقِيْل بن عبدالله العقيل.
وأسرة آل عقيل (العقيليون) في نجد أصلهم من الأشراف من بني هاشم من آل البيت، ويرجع نسبهم إلى عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه. وكانوا يسكنون المدينة المنورة، وفي حدود عام 1200هـ تقريبا رحل بعضهم منها إلى نجد  ونزلوا في بلدة الرس على ما يظهر. وعاشوا فيها فترة من الوقت ثم تفرقوا في أنحاء من نجد مثل عنيزة وشقراء ورويضة سدير وما حولها. ومن الوثائق المتوفرة لدينا يتضح بأن بعضهم عادوا إلى المدينة المنورة وامتلكوا أوقافا تعتبر حاليا من أوقاف الأشراف. وماتوا ودفنوا في البقيع مع آل البيت. وبعضهم بقوا في عنيزة وآخرون في الرس وامتلكوا أوقافا متعددة ثم ماتوا ودفنوا فيها.
أما البعض الآخر فقد انتشروا في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية ومصر والشام والعراق واليمن وعاد بعضهم إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة. وأفراد تلك الأسرة الكريمة منهم العلماء والقضاة والكتّاب والعسكريون والوجهاء والتجّار والأكاديميون وكبار الموظفين في الدولة. وأفراد الأسرة الموجودون في المملكة ينتشرون حاليا في أنحاء متفرقة منها مثل: الرياض وشقراء وأشيقر والقويعية وعفيف والرس وعنيزة والبكيرية وحائل وحفر الباطن والجوف والدمام والأحساء والنعيرية والخفجي والمدينة المنورة ومكة المكرمة وجدة وضبا وغيرها.
وسليمان بن علي المترجم له لا أعلم متى ولد ولكن من خلال الوثائق التي ذُكر فيها فيحتمل بأنه عاش في الفترة من عام 1237هـ حتى عام 1300هـ وسكن الرس مع أبناء عمه وكان وجيها من وجهاء الرس يكتب الوثائق ويشهد على المبايعات والأوقاف والوصايا وغيرها، يسمى (العسيري) حيث يروى بأنه كان يحصل على كل ما يريد بأمواله ووجاهته وكان يقول (لو تعسرني يدي قطعتها).
وكان في الرس معاصرا للقاضي قرناس بن عبدالرحمن والكاتب سليمان بن فوّاز ومن المواطنين في الرس: سليمان العقل وعثمان بن صالح العقيل الملقب (ابن عجينة) وعبدالله بن سالم الرميحي وإبراهيم بن علي بن دغيثر وسيف المنصور ومحمد بن الشيخ قرناس.
وله قليب تسمى (العسيرية) بالقوعي قرب الرس باعها حمد المالك على سيف المنصور العساف. ولكنها ضاعت ولا يعلم عنها. 
كان والده علي بن سالم في الشام وعاش فيها فترة إلى أن توفي فيها في:22/6/1229هـ. حسب ما ورد في وثيقة كتبها أخيه صالح بن سالم بن صالح العقيل.
كان يكتب الوثائق بالرس ويشهد على وثائق أخرى كثيرة تتضمن بيوعا وأوقافا ووصايا لأهل الرس. وأقدم وثيقة حصلت عليها بخط يده عام 1255هـ وتتضمن إقرار سليمان بن هندي بأن في ذمته دين لعبدالله السليمان قدره تسعة ريالات بشهادة صالح الخصابي. أما آخر وثيقة موجودة لديّ وشهد فيها على وقف فهي بخط ناصر بن سالم الضويان في عام 1283هـ.
وكتب مخالصة على الدين بين ابن درويش وسليمان الفوّاز بشهادة إبراهيم ابن علي بن دغيثر عام 1260هـ.
كما شهد وكتب إقرار صالح بن محمد الخصابي بأنه رهن عثمان الفواز نصيبه من الدار والمخزن الذي بينهما بالرس بشهادة سليمان العقل في النصف من جمادى الأولى 1261هـ.
وكان الكاتب سليمان بن علي العقيل يختم كتابته بالصلاة على النبي محمد ويوثقه بالشهر والسنة.
الذي يظهر بأنه توفي في الرس ودفن فيها في حدود عام 1300هـ. رحمه الله وأسكنه جنات النعيم مع الصالحين.
كتبه: عبدالله بن صالح بن عبدالرحمن العقيل

الجمعة، 3 يوليو 2015

عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل العقيل

شيخ الحنابلة
عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل
في يوم الثلاثاء الموافق 8 -10- 1432هـ انتقل إلى رحمةِ الله الشيخ العلاَّمة عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل، الذي يُطلق عليه محبُّوه من العلماء والمشايخ وطلبة العلم: "شيخ الحنابلة"؛ لِما له مِن فضْل في القضاء وطلَب العلم وتبليغه للطلاَّب.
تُوفي - رحمه الله تعالى - بعد أن تعرَّض لعارض صِحي، وأمْضى حوالي عامٍ في المستشفى. وبكَى عليه كلُّ محبيه وأبنائه وأقاربه، ويسرُّني أن أقدِّم لكلِّ مَن يعرفه أو يسمع عنه ترجمةً وافية عن حياته في طلَب العلم وتدريسه للطلاَّب، وأعماله الحكوميَّة التي مارسها سنوات طويلة، وعن جهودِه في القضاء.
اسمه ونسَبه:
هو الشيخ: عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل بن عبدالله بن عبدالكريم آل عقيل.
ولادته ونشأته:
ُلِد في عنيزة عام 1335هـ، ونشأ بها في بيتِ عِلم وصلاح، ودِين وفلاح، ومِن أسرة فاضلة تربَّت على العِلم والهُدَى من بيْن علماء أفاضل.
حيث تربَّى في كنَف والده الشيخ الفاضل عبدالعزيز بن عقيل بن عبدالله بن عقيل (1300- 1383) مِن تلاميذ الشيخ ابن سعدي وغيرِه مِن علماء ومشايخ بلدِه، وكان ذا أخلاق عالية، محبًّا للعلم والعلماء، وعمُّه الشيخ الفاضل عبدالرحمن بن عقيل بن عبدالله بن عقيل (1302هـ)، الذي حفِظ القرآن ودرَس على يدِ علماء عنيزة، وتولَّى قضاء جازان، وتوفي بعنيزة، وأخوه الشيخ عقيل بن عبدالعزيز بن عقيل (ت 1365هـ)، الذي حفِظ القرآن الكريم ودرَس على يدِ والده وعلى يدِ علماء عنيزة وغيرهم، ودرس على يدِ علماء مكة المكرَّمة، وتولَّى القضاءَ في عِدَّة مناطق بالمملكة.
مشايخه ورحلته في طلب العلم:
بدأ الشيخُ عبدالله طلبَ العلم بين يدي والدِه الشيخ عبدالعزيز بن عقيل، وهو أحد المشايخ المشهورين في عنيزة، فهو معلِّمه الأوَّل في باكورةِ تعليمه، حيث كان يتعلَّم بين يديه في منزله وفي دكَّانه في سوقِ المسوكف في عنيزة قبلَ وجود المدارس النظاميَّة.
ثم انتظمَ في كتاتيب المطوّع عبدالعزيز بن محمد الدامغ في إحدى مدارس عنيزة، وتعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة، ثم كان يراجِع مع أخيه الشيخ عقيل ما يدرُسه في كتَّاب الشيخ عبدالعزيز الدامغ.
وعندما افتتحتْ مدرسة الأستاذ صالح بن صالح عام 1348هـ في حيِّ البرغوش في عنيزة، كان الشيخ عبدالله ضِمنَ الدفعة الأولى مِن طلاَّب المدرسة، واستفاد مِن معلِّمه ابن صالح مجموعةً من العلوم والمعارف، كما تعلَّم منه مكارمَ الأخلاق والآداب.
كما التحَق الشيخُ عام 1348هـ في سوقِ الفرعي بعنيزة في مدرسةِ الشيخ عبدالله القرعاوي، فأخَذَ منه مبادئَ علوم التوحيد والحديث، والتجويد والنحو والصَّرْف، وغيرها مِن العلوم الدِّينيَّة والعربيَّة، كما حصَل مِن شيخه عبدالله القرعاوي على إجازة بمسلسل حديث المحبَّة بسنده إلى معاذِ بن جبل - رضي الله عنه - الذي رَواه عنِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال له: ((يا معاذ، إني أحبُّك، فلا تدعنَّ دُبرَ كلِّ صلاة أن تقول: اللهمَّ أعِنِّي على ذِكْرك وشكرك وحسن عبادتك)).
استمرَّ الشيخ عبدالله عندَ شيخه عبدالله القرعاوي ينهَل ممَّا لديه مِن العلوم النافعة، والآداب الحميدة، والأخلاق الفاضلة، وفي عام 1349هـ التَحَق بحلقات العالِم الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ولازَمَه ملازمةً كاملةً، حتى تعلَّم على يديه القرآنَ والتفسير والتوحيد والحديث والفقه، واللغة العربية وغيرها مِن العلوم الأخرى، كما درَس على يدِ الشيخ عبدالله بن محمد العوهلي في كتاب الرَّحبية، ودرَس الحساب.
وكان مِن أشهر مِن تتلمذ على يدِهم الشيخ عبدالله بن عقيل، وأخَذ منهم، ونهل مِن علمهم - كلٌّ مِن المشايخ:
عبدالرحمن بن ناصر السعدي علاَّمة القصيم، وعمر بن محمد بن سليم رئيس قضاة القصيم، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية، وعبدالله بن محمَّد بن مانع قاضي عنيزة، وسليمان بن محمد العمري قاضي الأحساء، ومحمد بن الأمين الشنقيطي، وعبدالرزاق عفيفي - رحمهم الله.
ثم إنَّ الشيخ - رحمه الله - عندما سافَر إلى مكَّة المكرمة برفقةِ الشيخ ابن سليم مكَث في مكةَ عدَّة أشهر، اتَّصل خلالَها بعلماء وأئمة الحرم الشريف، وتابع دروسهم، ومنهم المشايخ: محمَّد بن أمين الكتبي، ومحمد بن عبدالرزاق حمزة، وعمر بن حمدان المحرسي التونسي، وكان يحضُر حلقاتِ رئيس القضاة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ في مجلسِه قربَ الحرم.
وعندما كان في قضاء أبي عريش كان له جولاتٌ على قرى جازان، واللِّقاء وبعلمائها وأدبائها، وأخذ عنهم، ومنهم المشايخ: علي بن محمد السنوسي، وعبدالله بن علي العمودي، وعلي بن محمد بن صالح بن عبدالحق، وعلي بن أحمد بن عيسى البهكلي، كذلك الأديب محمَّد بن أحمد العقيلي، والفقيه عقيل بن أحمد حنين، وغيرهم.
والشيخ عبدالله - رحمه الله - تتنوَّع مصادرُ تعليمه على مشايخ عنيزة وعلمائها، فكان يأخُذ العِلم مِن كل الموجودين في ذلك الوقت، حيث قرأ على المحدِّث الشيخ علي بن ناصر أبو وادي (ت1361هـ) الصحيحين، والسنن، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ومشكاة المصابيح، كما أخَذ عنه الإجازةَ بها بسنده عن شيخِه محدِّث الهند نذير حسين (ت1299هـ)، كما أخذ عن قاضي عنيزة الشيخ عبدالله بن محمد بن مانع (ت1360هـ)، والشيخ محمد بن علي التركي (ت1380هـ)، والشيخ سليمان بن عبدالرحمن العُمري (ت1375هـ).
ومِن تلك الرحلة المبارَكة في الدرس والتحصيل حفِظ الشيخ عبدالله القرآن الكريم، وعُمدة الأحكام، ومتن زاد المستقنع في الفقه، وألفية ابن مالك ومُلحة الإعراب والآجروميَّة وغيرها في النحو.
وفي دارِ الإفتاء توفَّرتِ الفرص للشيخ عبدالله لملازمة العلاَّمة الشيخ محمد بن إبراهيم، واستفاد منه في عِلمه وأخلاقه الحسَنة، وسياسته وتعامله مع الناس، وحُسن تدبيره للأمورِ وعَلاقاته مع العلماء الآخرين.
كما انتظم بين يدي الشيخ محمَّد للدِّراسة في حلقاتِ المسجد التي كان الشيخُ يعقدها لطلاَّب العِلم في جميعِ الفنون والعلوم، وامتدَّتْ تلك الفترة أكثرَ مِن خمسة عشر عامًا، وكانت بالنسبة للشيخ عبدالله حافلةً بالعلم، واستفاد منها فائدةً كبيرة في جميعِ العلوم والمعارِف على مجموعة مِن العلماء الذين تعجُّ بهم الحرَكة العلميَّة في الرِّياض؛ أمثال الشيخ محمَّد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبدالرزاق عفيفي، وغيرهم.
زملاؤه:
للشيخ عبدالله زملاء كان يدرس معهم بيْن يدي الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، ومنهم المشايخ: محمَّد بن عبدالعزيز المطوِّع، ومحمَّد بن منصور الزامل، وعبدالله بن محمَّد العوهلي، وسليمان بن إبراهيم البسام، وحمد بن محمَّد البسَّام، وغيرهم.

صفاته وأخلاقه:
الشيخ عبدالله يتمتع بخُلق جمٍّ، وأريحيَّة يجدها مَن يجالسه، ويحسن استقبالَ ضيفه، ويَسأله عن أحواله وأبنائه ومَن يعرفه، وكل مَن سمِع به أثْنَى عليه وعلى عِلمه وأخلاقه، وكان - حفظه الله - يرحِّب بضيوفه مِن أساتذةِ الجامعات والطلاَّب والمعلِّمين وغيرهم مِن طلبة العِلم ممَّن ينشدون الفتوى أو البحْث والاطِّلاع.
أعماله:
في شهر ربيع الأول 1353هـ أمَر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - الشيخَ عمر بن سليم باختيارِ مجموعةٍ من المشايخ للسفر إلى منطقة جازان؛ ليكونوا قضاةً ومرشدين ومطاوعةً، فكان الشيخ عبدالله ضمنَ المنتدَبين لذلك وعُمره لا يتجاوز الثامنةَ عشرة، حيث سافروا إلى مكةَ المكرَّمة، وأدَّوا فريضةَ الحج في تلك السَّنة مع موكب الملك عبدالعزيز، وبعد الحجِّ تم تعيينهم في منطقة جازان، فكان الشيخ عبدالله مع عمِّه الشيخ الفاضل عبدالرحمن بن عقيل قاضي جازان، وكان ملازمًا وكاتبًا للقاضي، بالإضافةِ لقيامه بإمامةِ المسجد والخطابة والتدريس وأعمال الحِسبة في جازان، ومكث على ذلك حوالي ثلاثَ سنوات.
وفي أثناء عملِه في جازان أرادتْ حكومة المملكة تحديدَ الحدود بين المملكة واليمن؛ مِن أجل منْع النزاع فيها، وتشكَّلت لجنةٌ لذلك، كان الشيخ عبدالله أحدَ أعضاء اللجنة، وكانت تتجوَّل في أنحاء الحدود بيْن القبائل في الأشهر شعبان ورمضان وشوال عام 1355هـ.
في عام 1357هـ عادَ الشيخ عبدالله إلى عنيزة ولازَم دروس وحلقاتِ شيخِه العلاَّمة عبدالرحمن بن سعدي ملازمةً تامةً، واستمرَّ على طلب العلم وحفظ المتون، ومراجعة الشروح، ومطارحة المسائلِ مع زملائه الذين يَدرُسون على شيخه.
وفي شهر رجب 1358هـ أبلغه أميرُ عنيزة بأن يتوجَّه إلى الأمير عبدالله بن فيصل بن فرحان في بريدة بأمْر الملك عبدالعزيز، وعندَما قابله أمَره بالتوجُّه إلى الرياض لمقابلةِ الملك عبدالعزيز، ولما توجَّه الشيخ عبدالله إلى الرِّياض قابلَه في الطريقِ شيخه عمر بن محمد بن سليم، فأخبره بتعيينه رئيسًا لمحكمة جازان خلفًا لعمِّه الشيخ عبدالرحمن بن عقيل، ولكن الشيخ عبدالله رأى أنَّ في ذلك صعوبةً عليه؛ لصِغر سنه (اثنان وعشرون عامًا)، فاعتذر عن تلك المهمَّة، فلم يُجْدِ ذلك، فاقترح بأن يكونَ قاضيًا في محكمة أبي عريش بدلاً مِن الشيخ محمَّد بن عبدالله التويجري، وينقل هذا إلى مَحكمة جازان؛ لأنَّها أصغرُ حجمًا، وأقلُّ عملاً، وأخفُّ في المهمة، فاستحسن الشيخ عمر بن سليم هذا الرأي، فكتب إلى الملك عبدالعزيز، فأصدر أمرَه بأن يتوجَّه الشيخ عبدالله إلى أبي عريش، وأشعروا الجهاتِ المختصَّه بتنفيذِ الأمر، وباشَر الشيخ عملَه الجديد في رمضان 1358هـ، وجلَس فيها مدةَ سبع سنوات.
وبتاريخ 7 - 3 -1360هـ تَمَّ نقل الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل إلى محكمة فرسان، وسافر إليها بحرًا على سفينةٍ شراعية ولم يبقَ فيها طويلاً سوى سبعةِ أشهر فقط، كان خلالها يتنقَّل بين الجزر المجاورة قاضيًا وداعيًا، ومرشدًا وواعظًا.
ثم بتاريخ 1-10-1360هـ أُعيد إلى محكمةِ أبي عريش مرةً أخرى، ولبِث فيها خمسةَ أعوام أخرى متتالية، وفي فترةِ القضاء في أبي عريش كان الشيخُ عبدالله مستمرًّا على طلبِ العلم والمطالعةِ في أمهات كتب الفِقه والتوحيد والحديث وغيرها، كما كان يأخُذ عن قاضي أبي عريش السابِق الشيخ عبدالله بن علي العمودي، وكذلك أخَذ عن قاضي جازان السابق الشيخ علي بن محمَّد السنوسي.
وفي شهر رمضانَ المبارَك عام 1365هـ وبتوجيهٍ من مفتي المملكة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، تَمَّ نقلُه إلى محكمة الخرج بدلاً مِن الشيخ المتقاعِد سالم بن ناصر الحناكي، ومكَث فيها عامًا واحدًا فقط، وكان يتولَّى القضاء والإمامة والخَطابة وتدريس الحسبة، وكان في تلك الفترة على اتِّصال بسماحةِ الشيخ محمَّد بن إبراهيم يدرس بين يديه، ويستشيره في أمورِ القضاء، وسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز قاضي الدلم، وكان يزوره ويستفيدُ منه.
وفي شهر شوال عام 1366هـ صدَر الأمر بنقْله إلى المحكمة الكبرى بالرِّياض، وتولَّى أعمال القضاء فيها بجانبِ الشيخ إبراهيم بن سليمان، والشيخ سعود الرشود، وجلس فيها قرابةَ خمس سنوات.
استمرَّ الشيخ عبدالله في قضاء الرياض حتى عام 1370هـ، حيث أمَر الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بنقل الشيخ عبدالله إلى مسقطِ رأسه عنيزة خلفًا للشيخ عبدالرحمن بن عودان، فأخذ الشيخ يجتهِد في القضاء داخلَ بلدته وهو يستمرُّ في طلبِ العلم بيْن يدي شيخه عبدالرحمن بن سعدي واستفاد منه، وكان على اتِّصال بسماحة الشيخ عبدالله بن حميد قاضي بريدة لمدَّة خمس سنوات.
وعندما أُنشِئت دار الإفتاء بالرياض، صدَر أمرُ الملك سعود - رحمه الله - بتاريخ: 1-9-1375هـ بنقْله إليها، وكان يرأسها سماحةُ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - والشيخ عبدالله بن عقيل عضوٌ فيها، وبقِي حتى عام 1389هـ.
وفي أثناء عملِه في دار الإفتاء كان يُشارِك في مجلة الدعوة الأسبوعيَّة؛ حيث عهِد إليه سماحةُ الشيخ محمَّد بن إبراهيم بصِفته أحد تلاميذه، وعضوًا في دار الإفتاء بإصدارِ صفحة الفتاوى في كلِّ عدد يصدر مِن المجلة تتولَّى الإجابةَ عن استفتاءات الناس التي ترِدُ للمجلة، فالتزم الشيخ بذلك، وبذَل جهدًا كبيرًا للإجابةِ عما يَرِده من أسئلة مِن المواطنين وغيرهم، حتى وصل عدد ما صدر مِن تلك الفتاوى ما يقارب (657) فتوى، ما بيْن مطوَّلة ومختصرة في أصولِ الدين وفروعه، وفي الأدب والتاريخ وغيرها، أرجو أن يُهيِّئ الله لها مَن ينشرها؛ لينتفعَ بها الناس.
وفي عام 1387هـ رشَّحه سماحةُ الشيخ محمَّد بن إبراهيم لعضويةِ مجلس الأوقاف الأعلى، فكان مندوبًا لدارِ الإفتاء في المجلس، وعندما أُعيد تشكيل المجلس استمرَّ في عضويته بترشيحٍ من وزير العدل الأسبق الشيخ محمد الحركان، وبقِي فيه حتى أُحيل للتقاعد.
وبعدَ وفاة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - عام 1389هـ أمَر الملك فيصل - رحمه الله - بتشكيل لجنةٍ للنظر في المعاملات الموجودة في مكتَب الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وتَمَّ اختيار الشيخ عبدالله لرئاسةِ تلك اللجنة، وعضوية كلٍّ مِن المشايخ: محمَّد بن عودة، وراشد بن خنين، وعبدالله بن منيع، وعمر بن مترك، وقامت اللجنة بعملها خيرَ قيام.
وما أنِ انتهتِ اللجنة من عملها التي كُلِّفت به، حتى صدَر الأمر بنقل الشيخ عبدالله بن عقيل بتاريخ 1 -9-1391هـ؛ ليكون عضوًا في هيئة التمييز مع المشايخ: محمَّد بن جبير، ومحمَّد البواردي، وصالح بن غصون، ومحمَّد بن سليم، ورئاسة الشيخ عبدالعزيز بن ناصِر الرشيد.
وعندما صدَر الأمر بتشكيلِ الهيئة القضائيَّة العليا عام 1392هـ، برئاسةِ الشيخ محمَّد بن جبير، كان الشيخ عبدالله بن عقيل عضوًا فيها بمعيةِ المشايخ: عبدالمجيد بن حسن آل الشيخ، وصالح اللحيدان، وغنيم المبارك.
كما تَمَّ في شعبان 1395هـ تشكيلُ مجلس القضاء الأعلى برئاسة معالي وزير العدل الشيخ محمد الحركان، وعُيِّن الشيخ عبدالله بن عقيل عضوًا في الهيئة الدائمة لمجلس القضاء الأعلى بدرجةِ رئيس هيئة تمييز، وبعدَها بمدة صار الشيخ رئيسًا لتلك الهيئةِ بالإضافة لعضوية المجلِس في هيئته الدائمة، وبعدَما تمَّ نقْل الشيخ محمد الحركان مِن مجلس القضاء الأعلى إلى رابطةِ العالَم الإسلامي وتعيين الشيخ عبدالله بن حميد خلفًا له، كان الشيخ عبدالله بن عقيل كثيرًا ما يترأَّس المجلسَ الأعلى للقضاء نيابةً عنِ الشيخ ابن حميد أثناءَ سفره للعلاج، أو تكليفه بأعمالٍ أخرى حتى التقاعد.
وبعدَ التقاعد استمرَّ الشيخ عبدالله بن عقيل في طلبِ العِلم، وترأَّس بعض اللجان التي يتمُّ تشكيلها، مثل: اللجنة التي أُنشئت للنظرِ في شرعية معاملات شركة الراجحي المصرفيَّة للاستثمارِ وتصحيح سَيْر معاملاتها؛ ليكونَ بنكًا إسلاميًّا بلا فوائد رِبوية بما يتوافَق مع الشريعة الإسلاميَّة، وكان رئيسًا لها، وكان سكرتير اللجنة ابنه الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله بن عقيل، وعضوية كلٍّ مِن المشايخ: صالح الحصين، وعبدالله بن منيع، وعبدالله البسّام، ومصطفى الزرقاء، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور عبدالله الزايد، والدكتور حمد الجنيدل، وقامتْ بعملها اعتبارًا مِن تاريخ 8-4-1409هـ.
كما كان عضوًا مندوبًا في اللجنة العلميَّة المكلَّفة بتحديد حرَم المدينة النبويَّة والمؤيَّدة مِن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - التي اعتمدتْ رأيه في ذلك.
كما أنَّ مجلس كبار العلماء رأى تشكيلَ لجنة جديدة تضمُّ الشيخ عبدالله بن عقيل مع كلٍّ من المشايخ: عبدالله البسّام، وعبدالله بن منيع، وعطية محمَّد سالم، وأبي بكر الجزائري، والسيد حبيب محمود أحمد، مع لجنة فنيَّة وسكرتارية ابنه الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله بن عقيل.
وقد عاصَر الشيخ عبدالله بن عقيل القضاءَ بالمملكة منذُ عام 1354هـ، حتى أُحيل للتقاعد عام 1406هـ؛ أي: ما يقارب (53) سنة.
وبعدَما تقاعَد الشيخ عبدالله عن العملِ الحُكومي، لم يقعدْه ذلك عن العِلم وأهله، بل كان يسعى في طلبه تعلمًا وتعليمًا؛ حيث فرَّغ نفسه للطلاَّب والفتوى في كلِّ وقت، كما كان في كلِّ أوقاته منشغلاً مع طلاَّب العلم في البحْث والدراسة والفتوى، حيث يأتيه الطلاَّب في مجلسه منذُ مدة طويلة، وفي كلِّ وقت، وكان منزله مفتوحًا لطلبةِ العِلم مِن أساتذة وطلاَّب الجامعات بعدَ صلاة العصر والمغرب والعشاء والفجر في أغلبِ الأحيان حسبَ ما يناسب كلاًّ منهم؛ للقراءة والبحث في الفقه والحديث والتوحيد والعقيدة وأصول الفقه، والنحو والتفسير وعلوم اللغة وغيرها، كما يوجَد في منزله مكتبةٌ كبيرة تضمُّ أمهاتِ المراجع الدينيَّة والعلميَّة لجميع العلماء والمؤلِّفين.
كما أنَّ للشيخ تعليقاتٍ كثيرةً على بعضِ المسائل الفقهيَّة والقضايا الشرعيَّة، وشروحات منوَّعة لطلاَّبه، وكان بينه وبين شيخِه الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رسائلُ علميَّة كثيرة طُبعت في كتاب "الأجوبة النافِعة عن المسائل الواقِعة"، اعتنى بها وعلَّق عليها هيثم بن جواد الحداد، بإشراف ومراجعة الشيخ عبدالله، وقد اطَّلعت على طبعتها الثانية المصحَّحة والمنقَّحة من دار ابن الجوزي عام1420هـ، وفي ثنايا الكتاب ترجمةٌ وافية عن الشيخ.
والشيخ عبدالله بن عقيل - رحمه الله - يُثني في حديثِه على ولاةِ أمرِنا - أعزَّ الله ملكهم وسدَّدهم - كما يذكُر دَور الملك عبدالعزيز - رحمه الله - في استتبابِ الأمْن؛ بسبب تطبيقِ الشريعة السَّمحة، والقضاء على الجهل والمرَض والفقر، كما يُثني على دَور القضاة في تبصيرِ الناس وإرشادهم وتوجيههم، كما يُثني على ميزاتِ القضاء في المملكة واستقلاليتِه عن المؤثِّرات والتعامُل مع الخصومات، وأنَّ القاضي له الخيارُ بأن يحكم بالنهجِ الإسلامي، وأنَّ الشعب السعودي شعبٌ مسلم، ومقتنِع بوجوبِ التحاكُم إلى الشريعة الإسلاميَّة.
وفاته:
توفي الشيخ عبدالله بن عقيل يوم الثلاثاء: 8/1/1432هـ وصُلِّي عليه يومَ الأربعاء التالي في جامِع أم الحمام في الرياض ودُفِن فيها، غفَر الله له وأسكنه جناتِ النعيم مع الكرامِ البررة، وجعَل ما قدَّم لأمته الإسلاميَّة في ميزان حسناته.
كتبه: عبدالله بن صالح بن عبدالرحمن العقيل
المراجع:
1- الأجوبة النافعة عنِ المسائل الواقعة، رسائل الشيخ عبدالرحمن بن سعدي إلى تلميذِه الشيخ عبدالله بن عقيل، علَّق عليها هيثم بن جواد الحداد، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، دار المعالي عمّان، الطبعة الثانية 1420هـ.
2- علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم، صالح بن سليمان العمري، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 1405هـ.
3- علماء نجد خلال ثمانية قرون، الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام، دار العاصمة، الطبعة الثانية 1419هـ.
4- روضة الناظرين عن مآثرِ علماء نجد وحوادث السنين، محمد بن عثمان القاضي، مطبعة الحلبي، الطبعة الثانية، 1403هـ.
5- مجلَّة العدل، تصدر عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية، العدد الثاني، ربيع الآخر 1420هـ صفحة (209 - 214).

الأحد، 24 مايو 2015

الملك سعود يوضح للقضاة مقدار الدية.

(الملك سعود في مراسلاته يوضّح للقضاة مقدار الدِّيَــةْ)
    
يقوم الملك عبدالعزيز رحمه الله في بداية توحيد المملكة بإيفاد القضاة والمرشدين والمطاوعة إلى كل مدن المملكة وفي كل المناطق من أجل الفصل في القضايا والخصومات بين الناس ونشر العقيدة الصحيحة والقضاء على الخرافات والبدع التي قد توجد في بعض المناطق. وكذلك يقوم الملك سعود ابن عبدالعزيز رحمه الله عندما كان وليا للعهد وبعد توليه الملك بإيفاد مجموعة من رجال الدين والقضاة من أجل إكمال مسيرة والده.
والملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله له مراسلات كثيرة مع القضاة في كل المدن والقرى داخل المملكة. حيث كان يبعث لهم الخطابات لتوجيههم لأمور دينهم وحثهم على الرفق بالرعية واحتساب الأجر من المولى عز وجل. وكان يخبرهم عن بعض أمور الدين وبعض الفتاوى التي تصدر من كبار العلماء والتعاميم اللازمة. وبقيت تلك الخطابات والتوجيهات وثائق تنير طريق العلم وتفتح للباحثين الفرصة لعرضها والكتابة عنها.  
     وسوف نستعرض في هذه المقالة وثيقة بعثها ولي العهد الأمير سعود ابن عبدالعزيز إلى الشيخ صالح بن إبراهيم الطاسان عام 1370هـ حال كونه قاضيا في الرس يوضح فيها مقدار الدّيَـة. التي اختلف فيها كثير من الناس.
ـ نص الوثيقة:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من سعود بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى جناب المكرم الشيخ صالح الطاسان سلمه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ذلك نظرا لما رأينا من اختلاف الناس فيما بينهم في حالة الدية وأفراد الجنايات استفتينا الشيخ محمد بن إبراهيم وكتب لنا ما يلي: من محمد بن إبراهيم إلى حضرة محترم المقام ولي العهد الفخم سعود ابن الإمام عبدالعزيز وفقه الله آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعده حفظك الله تحرر لدينا مقدار الدية في الدراهم العربية باعتبار الفضة أصلا مستقلا بناء على القول الضعيف ثلاثة آلاف وسبعمائة وأربعة وثلاثون ريال عربي لكن غير خاف على سموكم رجحان اعتبار الإبل أصلا وحدها فقط أو قيمتها حالا وهو لا يقل عن خمسة عشر ألف ريال عربي على باب النازل فلو حصل هذا لكان خيرا وأحسن وأرفق ولا أعلم في العمل به أي محذور وإذا اعتبر القول الضعيف فأربعة الآلاف كافية ومهما زيد عليها كان أقرب للقول الراجح وفقكم الله للنشاط في العمل بالشريعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 13 شوال 1370هـ فبهذا رأينا أن الدية تكون أربعة آلاف ريال وان الجنايات المتنوعة يكون تقديرها من أصل أربعة الآلاف المذكورة وعممنا هالمكاتيب لجميع قضاتنا قصدنا إن لا يكون اختلاف بين المحاكم. نرجو أن الله يوفقنا وإياكم لما فيه الخير هذا ما لزم والسلام 11 ذو القعدة 1370هـ).
ـ والخطاب يوضح ما يلي:
ـ أن ملوكنا أعزهم الله منذ قيام الدولة السعودية الأولى ثم الثانية ثم الثالثة كانوا يقدرون العلماء والقضاة ويجلّونهم ويرفعون من قدرهم لأنهم هم الذين تعود إليهم الفتوى في أمور الدين وهم الذين يعوّل عليهم فيما أشكل على الخاصة والعامة. ثم إن حكامنا رحم الله السابقين منهم ورفع قدر الموجودين منذ عهد الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى إذ أشكل عليهم أمرا ردّوه إلى العلماء.
ـ إن حكامنا كثيرا ما يوجهون النصح للعامة من الناس, ويكتبون إلى العلماء والقضاة ورجال الدولة بالنصح والتوجيه من أجل التعامل مع المواطنين بالرفق واللين. كما يوضحون لهم ما أشكل عليهم من الفتوى.
ـ الملك سعود رحمه الله كثيرا ما يبعث الخطابات للقضاة من أجل توجيههم للقضاء أو الدعوة في المناطق التي تحتاج لذلك. وكان رحمه الله يقصدهم بأسمائهم ويوجه الخطابات لهم شخصيا رفعة لمقامهم وإعلاء لشأنهم. 
ـ الملك سعود رحمه الله في هذا الخطاب يوجه قاضي الرس صالح بن إبراهيم الطاسان بعد أن أخذ رأي الشيخ محمد بن إبراهيم بمقدار الدّية (أربعة آلاف ريال) قياسا بالفضة وهي الأصل في تقدير الدّية. أما الجنايات على مختلف أنواعها فيتم تقديرها من قبل القاضي من أصل هذا المبلغ المذكور.
ـ التعريف بالألفاظ:
ـ الدِّيَة لغة: من: وَدَيْتُ القتيلَ أَدِيهِ دِيةً، إذا أعطيت ديته، والجمع: ديات. وشرعاً: هي المال المؤدَّى للمجني عليه أو لوليه بسبب الجناية.
وتسمى أيضاً (العَقْل) لأن القاتل كان يجمع الدية من الإبل، فيعقلها بفناء أولياء المقتول ليسلمها إليهم.
والدية واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) [النساء: 92]. وأما السنة: فحديث أبي هريرة (من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى وإما أن يقتل) وكذا حديث عمرو بن حزم في الكتاب الذي كتبه له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه مقادير الديات. وأجمع أهل العلم على وجوب الدية. أما الحكمة من مشروعيتها: فهي حفظ الأرواح، وحقن دماء الأبرياء، والزجر، والردع عن الاستهانة بالأنفس.
ـ الجنايات: جمع جنابة. ومعناها لغة: التعدي على نفس أو مال. وشرعا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو يوجب مالا. وتسمى الجناية على النفس: القتل. وتسمى الجناية على المال: غصب أو سرقة أو نهبا أو خيانة أو إتلافا.
ـ الفضة: من المعادن الكريمة. وهو معدن أبيض يستخدم في النقود والحلي تماماً كالذهب ألا أنه أقل قيمة. والفضة من العناصر الانتقالية، عدده الذري 47 وكتلته الذرية 107.868 ودرجة انصهاره 961.63 ْس ودرجة غليانه 2212 ْس، والكثافة 10.5غ/سم3.
ـ التعريف بالأعيان:
ـ الملك سعود:
هو الملك سعود بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود. هو الابن الثاني للمؤسس رحمهما الله وثاني ملوك المملكة العربية السعودية ولد في الكويت في: 5 شوال 1319هـ كان في شبابه يحضر مجالس والده الملك عبدالعزيز ومجالس جده عبدالرحمن الفيصل. ويتعلم منهما أمور الحكم والسياسة والإدارة حتى أتقن ذلك وكسب ثقة والده وفوضه للمهام التي تكسبه إدارة الحكم والسياسة الخارجية. توفي في: 6 ذي الحجة 1388هـ رحمه الله رحمة واسعة.
ـ الشيخ محمد بن إبراهيم:
هو سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب. ولد يوم عاشوراء من عام 1311هـ . نشأ في بيئة دين وعلم وصلاح ثم درس في الكتاتيب وهو صغير. ثم فقد بصره في شبابه فعوضه الله عنها بالبصيرة. فعاش متبحرا في العلم. حفظ القرآن في صغره وطلب العلم على مشائخ عصره مثل الشيخ عبدالرحمن بن مفيريج وعلى عمه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ محمد بن مانع وغيرهم. حتى نبغ فيه وتصدّر للتدريس والفتوى. توفي رحمه الله يوم: 24 رمضان 1389هـ.
ـ الشيخ صالح بن إبراهيم الطاسان:
هو صالح بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد بن عبدالرحمن الطاسان. ولد في الرس عام 1328هـ درس على مجموعة من العلماء في الرس ومكة والرياض. تولى القضاء في عدة مواقع منها: مكة المكرمة وبني مالك والقحمة والرس والأسياح والخرمة ورنية والقويعية والبكيرية. وتوفي في الرس يوم/ 11 صفر 1420هـ.
كتبه الباحث: عبدالله بن صالح العقيل ـ الرس.
نشر المقال في صحيفة الجزيرة العدد (15578) الأحد: 6/8/1436هـ
ــــــــــــــــــــــــــــ

الأربعاء، 20 مايو 2015

محاولة قتل الشيخ قرناس وهروبه.

محاولة قتل الشيخ قرناس وهروبه.
عندما عجز إبراهيم باشا وجنده عن احتلال الرس تركوها واتجهوا نحو الدرعية مقر ابن سعود وقاتلوا حتى سقطت الدرعية في أيديهم عام 1233هـ أراد إبراهيم باشا القضاء على مجموعة من الرجال الأبطال بسبب ما لقيه منهم من مقاومة وصبر وشجاعة عند التصدي له، فأرسل وهو في طريق العودة مجموعة من جنده إلى الرس وأوصاهم بقتل الشيخ قرناس بن عبدالرحمن حيث كان هو القائد الذي هزمه في حرب الرس، فأدركوه وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، ثم إن الشيخ قرناس أحس وهو يصلي بالمسجد بأصوات غير معتادة وكان يقرأ جهرا في سورة القيامة ولما وصل إلى آية {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} أخذ يرددها وكان المؤذن محمد بن عبدالله الخميس يفهم ما يقصده الشيخ قرناس فرد عليه بقوله (إلى أبان الحمر) موحيا له بالمكان الآمن للفرار دون أن يفهمها الجنود الترك، ثم سجد قرناس وأطال في سجوده وهرب من المسجد تاركا الناس ساجدين متجها إلى جبل أبان الحمر قرب بلدة النبهانية وبذلك نجا من القتل. ويروى بأن الذي رد عليه أحد الأعراب عندما دخل المسجد ورأى الجنود ومعهم السلاح.
روى الرحّالة ديفيد كمنز في كتابه (الدعوة الوهابية والمملكة العربية السعودية) نقله إلى العربية عبدالله بن إبراهيم العسكر. جداول للنشر والترجمة والتوزيع بيروت. ط2/ 2013م.
 قال (ص 85) عن الشيخ قرناس بن عبدالرحمن (كان قرناس بن عبدالرحمن بن قرناس القاضي السعودي في المدينة, ثم أصبح قاضيا في بلدة الرس في القصيم. لكنه هرب حين مرّ جيش إبراهيم باشا بها خلال انسحابه من نجد. ثم عاد ليصبح قاضيا في الإمارة الثانية حتى موته عام 1846م).
كما قال المؤرخ منير العجلاني في كتابه (تاريخ البلاد العربية السعودية/ الدولة السعودية الأولى ج 4) أراد إبراهيم باشا القضاء على مجموعة من أبطال الجزيرة العربية بسبب ما لقيه منهم من مقاومة وصبر وشجاعة عند التصدي له. فأرسل مجموعة من جنده إلى الرس وأوصاهم بقتل الشيخ قرناس بن عبد الرحمن حيث كان هو القائد الذي هزمه في حرب الرس، فأدركوه وهو يصلي بالناس، ثم إن الشيخ قرناس أحس وهو يصلي بالمسجد بأصوات غير معتادة وكان يقرأ جهرا في سورة القيامة ولما وصل إلى آية {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} أخذ يرددها وكان المؤذن محمد بن عبدالله الخميس يفهم ما يقصده الشيخ قرناس فرد عليه بقوله (إلى أبان الحمر) موحيا له بالمكان الآمن للفرار دون أن يفهمها الجنود الترك ، ثم سجد قرناس وأطال في سجوده وهرب من المسجد تاركا الناس ساجدين متجها إلى جبل أبان الحمر وبذلك نجا من القتل.
كتبه الباحث: عبدالله بن صالح العقيل.

الأربعاء، 13 مايو 2015

حسو المروى بالرس (ريق البنات)

(حسو المروى) في الرس.
هذا (الحسو) أي البئر له شهرة كبيرة في محافظة الرس. ويقع جنوب البلدة القديمة بينها وبين بلدة الحوطة. على الجانب الغربي من شعيب الحرمل (الذي يسمى قديما وادي الرس في أشعار زهير بن أبي سلمى) ويقع معلم الجريف عنه في الجهة الشرقية. ويمتاز ويشتهر بعذوبة مائه وحلاوته. لذا فهو يسمى قديما وحديثا (ريق البنات) لعذوبة الماء المتوفر فيه. يروى بأن الشيخ صالح بن قرناس بن عبدالرحمن القرناس (1253ـ 1336هـ) هو الذي حفره في عام 1333هـ وجعله وقفا لأهل الرس. وكان أهل البلدة قديما (يروون) منه أي يأخذوا منه الماء لمنازلهم.
هذا البئر ذكره الرحّالة سعد بن أحمد الربيعة. في كتابه (رحلة الحاج من بلد الزبير بن العوام إلى البلد الحرام) مطبوعات دارة الملك عبدالعزيز. الطبعة الثانية 1429هـ.
قال الرحّالة (ص 51) تحت عنوان (يوم الأربعاء 16 من ذي القعدة 1345هـ) مانصّه (نمنا ليل الأربعاء بعد أن أحضرنا دليلا من إحدى قرى البدائع والسكون والاطمئنان مخيمان علينا, وفي الساعة 7:30 قمنا على صوت رغاء الإبل وشددنا الرحال, وفي الساعة الثامنة غادرنا البدائع وكان الجو بديعا والقمر ينير طريقنا, وبعد طلوع الفجر أدينا الصلاة جماعات, وفي الساعة الثانية نهارا نزلنا على "الرس" في فسحة من البساتين يبعد عن البلد زهاء عشرين دقيقة, والماء كثير ولشدة حلاوته سمي "ريق البنات" ألقينا عصا التسيار وسقينا الإبل وشربنا من الماء النمير, وأرقنا الماء الذي نحمله من البدائع وقصيعة, ولهونا بشرب القهوة والشاي, والساعة3:30 تغدينا ونمنا).
والبئر لا تزال موجودة, وهي على ما كانت عليه من عذوبتها وحلاوة مائها. وتتولى إدارة المياه بالرس حاليا جلب الماء منه وتوزيعه على المنازل.
                كتبه الباحث: عبدالله بن صالح العقيل.
ــــــــــــــــــــــــــ

السبت، 9 مايو 2015

أسباب هزيمة إبراهيم باشا أمام قلعة الرس.

أسباب عجز إبراهيم باشا عن الاستيلاء على الرس.. في أقوال الرحّالة سادلير ومانجان:

يقول زهير بن أبي سلمى:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم        وما هو عنها بالحديث المرجّم
والحروب: تعني القتل للإنسان, والدمار للديار. والجميع يعرف عواقبها وما تؤل إليه.
وبلدة الرس تعرضت في عام 1232هـ لعدوان غاشم من محمد علي باشا وأبنائه بحجة أنها مفتاح الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى. التي جاءوا للقضاء عليها. وقام إبراهيم باشا بإحكام الحصار على بلدة الرس لمدة ثلاثة شهور وسبعة عشر يوما من تاريخ:25/8/1232هـ حتى تاريخ: 12/12/1232هـ. وأؤكد بأنهم فشلوا في الاستيلاء عليها. بل إن إبراهيم باشا انهزم أمام عزيمة أهل الرس وعقيدتهم وقوة بأسهم, وأمام قلعة البلدة المحصّنة تحصينا جيدا حيث تحطمت داخل سورها قنابله وقذائفه التي كان يرسلها ليلا ونهارا من المدافع العملاقة.
ولهزيمة إبراهيم باشا في الرس أسباب عدة نجملها فيما يلي:
1ـ عدم توكّل إبراهيم باشا وجنوده على الله في أمورهم. بينما أهل الرس يعتبرون دفاعهم عن بلدتهم جهادا:
ـ قال الرحالة (فورستر سادلير) في مذكراته(رحلة عبر الجزيرة العربية) عام: 1819م. في (ص 146) إن إبراهيم باشا مصمم على أن يستولي على البلدة قبل أن يعطي إذنه بإقامة معسكره وقبل أن يترجل فرسانه عن خيولهم, لذلك أمر طوبشي باشا أن يدفع سلاح المدفعية إلى الأمام حتى يصل إلى بُعد ثماني خطوات عن الأسوار وأن يباشر الرشق المدفعي باتجاه أقوى المعاقل. ونظرا لكون جنوده مكشوفين ولتعرض رجال المدفعية إلى رشق كثيف من نيران الأسلحة الخفيفة فقد تجاوز القتل في الأتراك عشرة أضعاف ما قتل من المحاصَرين الذين دافعوا عن المدينة بمعنويات عالية.
وقال: رمى الرجال بأنفسهم في الخندق لكنهم لم يستطيعوا أن يصعدوا إذ تبين أن حزم العيدان والأكياس لم تكن كافية وفتح العدو نارا مدمرة من فوق الأسوار على الجنود وعلى المواد السريعة الاشتعال التي تحيط بهم, وصار الباشا بمعاونة مماليكه يرمي بالرصاص كل جندي يحاول الانسحاب. وكان نتيجة ذلك أن عانى المشاة التعساء من خسائر فادحة. وقد أصدر أمره بحرمان أولئك الذين قتلوا من حقهم من الدفن بسبب تأجج غضبه من الهزيمة.
2ـ كثرة القتلى من جنود الباشا:
ـ قال سادلير: وعندما رأى الباشا أنه عاجز عن إنجاز مهمته اضطر أخيرا إلى الدخول في مفاوضات وإلى رفع الحصار. وقتل في هذه المعركة تسعمائة تركي وجرح ألف وآلت بهم الأمور إلى محنة شنيعة. أما المحاصرون من سكان الرس فقد فقدوا خمسين قتيلا فقط وسبعين جريحا.
3ـ قوة ومتانة سور الرس وقلاعه:
ـ في وثيقة كتبها إبراهيم باشا إلى والده رقمها في وحدة الحفظ (15) تاريخ 1232هـ (القلعة المذكورة ذات متانة زائدة, كما أن عدد الملاعين الذين فيها كثير, ثم صار ذلك معلوما لعبدكم, فقد طالت أيام الحصار. وبينما كنت قلقا في حالة لا يقر لي معها قرار).
4ـ التخبط الذي أصاب إبراهيم باشا وجنوده من أثر قوة سور الرس وشجاعة أهله.
يقول الرحّالة (فيلكس مانجان) في كتابه(تاريخ الدولة السعودية الأولى وحملات محمد علي على الجزيرة العربية) حتى عام: 1823م.
ـ قال (ص 140) عندما وصل إبراهيم باشا إلى الرس ومعه (4000) من الجنود المشاة و(1200) فارس وبدأ إطلاق النار على السور المحدق بالمدينة, كنا نرى القنابل تهدم البيوت وكان بعضها ينفجر قبل أن يكمل خط سيره المنحني, وبعد ستة أيام من القصف المستمر أمر إبراهيم باشا بالهجوم في الساعة الثانية ليلا, دون أن يحدث نقبا في السور يدخل منه المهاجمون, ودون أن تمتلك القوات المهاجمة أي وسيلة لمحاولة تسلق السور, ودون أن تقع عيونهم على حفرة عميقة وعريضة تقع بالقرب منه.
5ـ مشاركة نساء أهل الرس للرجال في الحرب. وكثرة القتلى في جنود الباشا:
ـ يقول مانجان: كانت النساء وراء الأسوار يشعلن سعف النخل الجاف المطلي بالصمغ, لإضاءة الميدان للمدافعين عنهم وكان إطلاق النار من البنادق مستمرا. لقد تصدى المحاصرون لهجوم الأتراك في كل المواقع, فاضطر هؤلاء إلى التراجع ولم نكن نرى إلا القتلى والجرحى. وقد أدى هذا الهجوم المميت الذي كان التخطيط له سيئا إلى إصابة 800 رجل بين قتيل وجريح.
6ـ كان أهل الرس يستخدمون كل الحيل لإفساد الهجوم عليهم:
ـ قال مانجان ص (142) (كان أهالي المدينة يدافعون عن أنفسهم بشجاعة ويقومون ببعض الغارات, ولما لم تكن لديهم الإمكانيات الكافية ولا الخبرة في فنون الحرب, فإنهم اكتفوا برد طلائع المهاجمين, والانقضاض على المدافع ليسدوا ثقوبها بالمسامير لتصبح غير صالحة للاستعمال, كانوا يهاجمون أعداءهم بالبنادق ذوات الفتيلة والرماح, وحينما رأى المحاصِِرون ما حل بهم فكروا بزرع ثلاث متفجرات ولكن المحاصََرون أبطلوا مفعولها).
7ـ الحرج الذي أصاب إبراهيم باشا بكثرة القتلى ونقص المؤن والذخيرة:
ـ قال مانجان (كان موقف إبراهيم باشا حرجا لأن ثلاثة آلاف رجل من رجاله لقوا مصرعهم عند أسوار الرس. ونفدت ذخائره وبدأ النقص في الأغذية, وكانت المجاعة تهدد بقية جيشه, وعلى الرغم من ذلك كله فإن إبراهيم باشا ظل محتفظا بموفقه الحربي).
ثم قال (وكانت الرياح العاصفة العاتية تثير عاصفة كثيفة من الغبار وتقلع الخيام وتكاد تسلب الجيش القدرة على التنفس. كان الجرحى في وسط هذه العاصفة يموتون متأثرين بجراحهم. وأسهمت المعنويات المنخفضة لدى الجنود الذين تأثروا كثيرا لما حدث, إسهاما كبيرا في انتشار الأمراض).
8ـ التصرفات المخالفة للعرف والدين التي يقوم بها جنود الباشا:
ـ يقول مانجان (كان جنود الباشا يقطعون رؤوس الجرحى ويعرضونها على أسوار الرس على مرأى من الذين هم تحت الحصار. وملأ هذا العرض الشنيع نفوسهم رعبا, وأصبحوا يتحرقون شوقا للانتقام. لقد جعلوا الأتراك يدفعون غاليا ثمن ذلك الانتصار الذي حققوه).
9ـ قوة بأس المجاهدين من أهل الرس ومن معهم وصيغة التحدي التي يجابهون بها إبراهيم باشا:
ـ قال مانجان (وعرض عبدالله بن سعود السلام على إبراهيم باشا شرط أن يرفع الحصار عن الرس, ولكن إبراهيم باشا استمع إلى ما يحمله المبعوثان وكان جوابه أن أنذر محمد بن مزروع أمير مدينة الرس بوجوب تسليم المدينة, فقال له الشيخ محمد الحنبلي " إن هذا ضرب من الخيلاء فأنت تهاجم الرس منذ زمن طويل ولن تستطيع الاستيلاء عليها" فاغتاظ إبراهيم باشا من هذا الكلام ولكنه جعل الشيخ بعد ذلك يندم على كلامه المهين. أما رد أمير الرس فكان بعبارات التهديد المشهورة  "تعال خذها" واستؤنف القتال وخسر الأتراك بلا طائل كثيرا من الرجال والذخيرة.
10ـ الشروط التي كان يمليها إبراهيم باشا ويرفضها أهل الرس:
ـ قال مانجان: أرسل عبدالله بن سعود إلى إبراهيم باشا بمقترحات جديدة للصلح, ولكن الباشا طلب منه أربعة شروط:
ـ أن يدفع نفقات الحرب.
ـ وأن يدفع متأخر الرواتب للجنود.
ـ وأن يقدم ألفي جواد وثلاثة آلاف من الإبل ومؤنا تكفي الجيش ستة أشهر.
ـ وأن يرسل اثنين من أبنائه رهينتين لدى إبراهيم.
ولما سمع صالح بن راشد الحربي مبعوث عبدالله هذه الشروط المجحفة قال لإبراهيم باشا " إنك لا تتفاوض مع فلاح مصري وأن خصمك هو أمير نجد وحاكمها محارب شديد المراس, مشهود له بالشجاعة في المواطن كلها " فغضب الباشا من كلامه وانتقم منه. ولم يتوصل الطرفان إلى الاتفاق على شيء.
11ـ عدد القتلى من جنود الباشا والتحدي الذي أبداه أهل الرس كان له الأثر الكبير في نفسيته:
ـ وقال مانجان: عن عدد القتلى في الحرب: بلغ عدد القتلى الأتراك الذين سقطوا أمام أسوار الرس 3400 رجل. وأما الأهالي والحامية السعودية فقد قتل منهم 160 رجلا, وجُرح عدد قليل.
ـ وتحدث مانجان عن انتقام إبراهيم باشا من خصومه فقال (ص 179) وبعد رحيل عبدالله أمر إبراهيم بالقبض على الشيخين أحمد الحنبلي وصالح بن رشيد الذين سمحا لأنفسهما عندما جاءا إلى معسكره في الرس مبعوثين من عبدالله بمخاطبته بطريقة غير لائقة فأمر بخلع أسنان الأول ووضع الثاني على فوهة المدفع بعد أن أمر بضربه بالعصي).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأخيرا: فقد وصف المؤرخ المصري الجبرتي (محمد بن حسن الجبرتي الحنفي) في تاريخه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) صلاح جيش أهل نجد وفساد جيش إبراهيم باشا) فقال في تاريخه ج 4/ص 140 وهو ينقل ما دار بينه وبين احد أكابر عسكر إبراهيم باشا لما قاتلوا النجديين.. فهو يصّور القضية فانظر ماذا يقول :
( ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدّعون الصلاح والتورع:
ـ أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة. وفيهم من لا يتدين بدين. ولا ينتحل مذهبا. 
ـ وصحبتنا صناديق المسكرات. 
ـ ولا يسمع في عرصاتنا آذان. 
ـ ولا تقام بينهم  فريضة. 
ـ ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الإسلام).
فلما انتهى من وصف عساكر باشا انتقل للكلام عن النجديين فقال:
ـ والقوم إذا دخل الوقت أذن المؤذنون. وينتظمون صفوفا خلف إمام واحد. بخشوع وخضوع.
ـ وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذنون. وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة.
ـ وعسكرنا يتعجبون من ذلك لأنهم لم يسمعوا به فضلا عن رؤيته).
وإبراهيم باشا على كل حال كان يكفّر النجديين كما نقل ذلك الجبرتي في  تاريخه حتى تعلم أن المسألة لم تكن متوقفة على طرف دون آخر.
كما ورد في تاريخ الجبرتي ج4/ص 289 في حوادث 1233هـ وهذا الكلام.
(يجلس الكثير من جنود إبراهيم باشا في الأسواق يأكلون ويشربون ويمرون بالشوارع وبأيديهم أقصاب للدخان والتتن من غير احتشام ولا احترام لشهر الصوم, وفي اعتقادهم أن خروجهم بقصد الجهاد وغزو الكفار المخالفين لدين الإسلام .. ).
                     كتبه الباحث: عبدالله بن صالح العقيل.
ــــــــــــــــــــــــــ
               

الخميس، 7 مايو 2015

كتابات ونقوش في جبل سواج


مرت على الجزيرة العربية مجموعة من الحضارات العربية التي سادت فترة من الزمن ثم انقرضت وتلتها حضارات أخرى استوطنت في الجزيرة وحصل بينها وبين من جاورها من الأمم بعض الحروب والأيام المشهورة، التي خلدها التاريخ وسجلها لنا، من تلك الأمم والحضارات التي استوطنت في الجزيرة العربية مثل: عاد وثمود وسبأ وتدمر وكندة وغيرها من الأمم التي سادت فترة من الزمن وتعرضت لعدد من الحروب التي أبادتها ودمرت مساكنها وفرقت جموعها.
جميع تلك الحضارات التي مرت على الجزيرة العربية خلدها التاريخ وذكرتها الكتب، ويوجد في بعض المواقع ما يدل على إن تلك الأمم كان لها حضارة ومرت عليها حروب وقد قام بعض الأفراد من تلك الأمم بتسجيل ما يدل عليها في بعض الكتابات والرسوم والنقوش. وأرى كما يرى غيري من الباحثين بأن الجبال هي أكثر المواقع التي يوجد بها كتابات لأنها مسارح الحروب وموطن المعارك مثل ما حصل من معارك وأيام في جبل خزاز وجبل طخفة وغيرهما من المواقع.
وأثناء رحلة بتاريخ 25/7/1419ه الى جبل سواج الذي يقع في المنطقة الجنوبية من محافظة الرس اطلعت على مجموعة من الرسومات والكتابات التي تدل على وجود حضارة استقرت في هذا الجبل، ولاشك بأن تلك الكتابات تحكي قصة حروب دارت بين تلك الامم وما جاورها من الأمم الأخرى.
أما جبل سواج فسوف أتحدث عنه قليلاً: هو من جبال حمى ضرية ويسمى (سواج الحمى) كما يسمى (سواج طخفة) لوقوعه مجاوراً لجبل ظخفة المشهور من الشمال ويسمى سواج التناءة والتناءة اسم لهجرة الشبيكية التي تقع أسفل الجبل، كما يسمى (سواج الخيل) لأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما حمى منطقة ضرية لتكون مقراً لإبل الصدقة أمر بأن يكون جبل سواج مكانا للخيل التي ترد من الصدقة. ويبعد الجبل عن محافظة الرس (85) كيلا في الجهة الجنوبية منها.
يقع الجبل بين خطي عرض (85،42 11 25) وطول 00 16 43) ويرتفع عن مستوى سطح البحر (1254) متراً.
والجبل يقع بين مجموعة من الجبال والهجر منها: من الشمال: النايع والنويع والمداري. ومن الجنوب: لعيبيبة وجضالا. ومن الشرق: المصعوكة. ومن الغرب هجرة فياضة وابرق العمالة.
وسواج جبل لغني من باهلة، وهو مقر تلك القبيلة في الجاهلية والاسلام، ولايزال بقية منهم يسكنون بعض القرى المجاورة منه مثل نفي والأثلة. وفي الوقت الحاضر يقطنه الذوبة من حرب خاصة في هجرة الشبيكية.وهو جبل مشهور قديما وحديثا يمر به طريق حاج البصرة إلى مكة المكرمة.
ويتخذ منه سكان منطقة القصيم منزلاً لرحلاتهم ونزهتهم ومتعتهم وكثيراً ما تغنى به الشعراء قديما وحديثاً.
أما الكتابات والرسوم التي شاهدناها في جبل سواج فهي توجد في إحدى الهضاب المرتفعة في وسط الجبل وتلك الكتابات تدل على استيطان بعض القبائل في الجبل وقد كتبت في مكان مرتفع وواضح يراه المشاهد من بعيد وفي اتجاه الجنوب ويبدو بأن وضعه مخالف للجهة الشمالية حتى لا يتعرض لعوامل التعرية التي تهب من الشمال.
وعندما نحاول قراءة تلك الكتابات والرسوم فهي تحتوي على بعض الرموز على شكل حروف لاتينية وعلامات حسابية وكذلك رسومات لحيوانات على شكل جمال وخيول كالتالي:
أقول: إن تلك الأشكال لاشك إذا كانت قديمة بأن لها معاني لدى من كتبها، فقد تمثل رموزا للديانات عندهم حيث كانوا يعبدون الحيوانات أو بعض المخلوقات، أو قد تكون رموزاً للآلهة التي يعبدونها، سواء دلالة على اسمها أو شكلها وهي دعوة إلى المهتمين بمثل تلك الرسوم والكتابات من الباحثين بأن يزوروا جبل سواج ليطلعوا عليها ويدرسونها لعل فيها ما يفيد في الكشف عن بعض الحضارات التي كانت تقطن في تلك النواحي من مملكتنا الغالية، كذلك البحث فيما حول تلك المنطقة من جبال وهجر قديمة قد تدل على وجود بعض الحضارات أو الاستيطان سواء قديمة أو حديثة مثل قبيلة بني أسد وغطفان وفزارة وبني عبس وغيرها.
عبد الله بن صالح العقيل – الرس
aa10101010@hotmail.com