السبت، 29 مارس 2014

حروب أهل الرس مع الأتراك.

12ـ حروب الرس مع الأتراك:
1ـ حملة طوسون باشا:
في بداية عام 1300هـ تقريبا اهتمت الدولة العثمانية بدعوة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب التي ظهرت في نجد بل زادت عداوتها لتلك الدعوة السلفية وأخذت تخاف منها على نفوذها في نجد خاصة وأن حماس النجديين برز لنصرة الدعوة وصاحبها. ثم إن الدولة أرادت أن تستغل أطماع والي مصر محمد علي باشا في التوسّعية في نجد للقضاء على الدعوة وأنصارها. وبمساعدة الدولة العثمانية اقتحم محمد علي وأولاده جزيرة العرب في عدة حملات.
وكانت أول حملة أرسلها إلى نجد عام 1230هـ بقيادة ابنه طوسون باشا، يقول ابن عيسى (ص 105) (وفيها ـ أي سنة 1230هـ ـ قدم أحمد طوسون بن محمد علي بالعساكر العظيمة ونزل الرس والخبراء، وكان عبدالله بن سعود إذ ذاك في المذنب، فلما علم بذلك رحل من المذنب ونزل بلد عنيزة وأميرها إذ ذاك من جهة عبدالله ابن سعود، نزل الحجناوي وأقام عليه نحو عشرين يوما يصابر عساكر الترك، ويقع بينهم مقاتلات ومجاولات من بعيد، ثم إن الصلح وقع بين أحمد طوسون هو وأحمد بن نابرت وبين عبدالله بن سعود على وضع الحرب وأن عساكر الترك يرفعون أيديهم عن نجد ويرفع عبدالله بن سعود يده عن الحرمين وكل منهم يحج آمنا. وكتبوا بذلك سجلات، فرحل أحمد طوسون ومن معه من العساكر غرة شعبان من هذه السنة) أي سنة 1230هـ.
وقد أورد الدكتور منير العجلاني (تاريخ البلاد العربية السعودية4/55) عن حملة طوسون بعض الروايات نورد منها ما يلي: أن طوسون أراد أن يثبت لأبيه أنه قادر على تحقيق الفتوحات العظيمة في نجد حربا وسياسة فأمر جنوده بالمسير نحو بلدتي الخبراء والرس من بلدان القصيم، وأكبر الظن أنه ما كان ليقدم على هذه المغامرة لولا مكاتبات سابقة دارت بينه وبين زعماء البلدين وعهود قطعها لهم وأموال دفعها إليهم حتى وافقوا على تسليم البلدين إليه سلما غير حرب.
أقول: لا أعتقد أن هذا القول صحيح، لأن أهل القصيم مشهور عنهم الولاء وحبهم للحكام والصمود أمام الأعداء، وكانوا يدافعون عن دينهم وأنفسهم وبلدانهم ولا يمكن أن يسلموها لقمة سائغة للمعتدين سواء الأتراك أو غيرهم، ولكن قد يوجد حول بلدان القصيم بعض من يدعون لأنفسهم الزعامة ويقومون بمحاربة الدولة السعودية ويستغلون بعض أبناء البادية ويغرونهم بالأموال والإمارة، هؤلاء يقومون بالاتصال بحكام الدولة العثمانية ويحرضونهم على حكّام نجد ويمهدون لهم الطريق للاستيلاء على البلاد السعودية.
كما روى العجلاني ما قال دريو: أن طوسون دخل الرس ليلا وفجأة استولى فيها على عشرين ألف رأس بعير وماتي ألف راس غنم.
أقول: وهل كان يوجد في بلدة الرس في عام 1230هـ هذا العدد من الإبل والأغنام؟ وكيف استطاع طوسون  أن يجمع هذا العدد في ليلة واحدة؟ قد يكون هذا العدد مبالغ فيه.
ويقول ابن بشر (عنوان المجد 1/183) عن مسير إبراهيم باشا وابنه طوسون نحو القصيم (وفي مسير محمد علي إلى تهامة وابنه أحمد طوسون في المدينة النبوية يجهز العساكر إلى نجد وأرسل إلى أهل الرس وأهل الخبراء القريتان المعروفتان في القصيم وكاتبوه فأرسل طوسون إلى العسكر الذي في الحناكية وأمرهم أن يسيروا إليهما فساروا إلى القصيم وأطاع أهل الخبراء والرس فدخلوهما الروم. واستوطنوهما واستولوا على ما فوقهما من القصيرات والمزارع مثل: ضرية ومسكة والبصيري ونجخ المعروفات في تلك الناحيةوثبت بقية بلدان القصيم وحاربوا الترك).
أقول: لعل الذي جعل أهل الرس يطيعون الترك أن بلدتهم غير محصّنة تحصينا جيدا وليس لديهم القوة والسلاح لمحاربتهم لذلك سمحوا لهم بدخول البلدة محافظة على دمائهم وأعراضهم وأنفسهم.
ثم أوضح ابن بشر أيضا: بأن عبدالله بن سعود لما علم بذلك ـ أي بأن أهل الخبراء والرس أطاعوا الترك أراد الانتقام منهم ـ جمع من حوله من القصيم والجبل ووادي الدواسر والاحساء وعمان وما حولهما في بداية جمادى الأولى 1230هـ ونزل الرويضة قرب الرس فقطع نخيلها ودمّرها وأهلك غالب زرعها وأقام فيها يومين فخرج عسكر الترك من الرس وحصل بينهم رمي بالمدافع من بعيد بدون ملاقاة.
كما يذكر ابن بشر بأن أهل الرس ندموا على أنهم أطاعوا الترك ـ ويبدو لي بأن هذا الندم حصل عندما استوطن الترك في البلدة وخاف أهلها منهم ـ خرج عدة رجال من أهل الرس قاصدين الشنانة فتحصنوا في قلعتها فسار الترك نحوهم وحاصروهم حصارا شديدا ورموهم بالمدافع والقنابر فثبت أهل الرس في دفاعهم وقتلوا من الترك عدة قتلى ورحل الباقون إلى مقرهم في الرس.
بعد ذلك نزل عبدالله بن سعود في الحجناوي بين الرس وعنيزة فحوصر الترك في الخبراء والرس فأنزل الله الرعب في قلوبهم وجنحوا للسلم فعُقِد الصلح عند الرس بين عبدالله بن سعود وطوسون على مايلي:
1ـ أن توضع الحرب بين الطرفين.
2ـ أن يرفع الترك أيديهم عن نجد وأعمالها ويرحلوا.
3ـ أن تمشي السابلة آمنة بين الفريقين من بلد الشام ومصر وجميع ممالكهم إلى نجد والشرق وجميع ممالك عبدالله بن سعود.
4ـ أن يتمكّن كل منهم من الحج بأمان.
وكتب الطرفان بينهم سجلا بذلك، ورحل الترك عن الرس متوجهين إلى المدينة أول شعبان 1230هـ.      
2ـ غزوة محيط ومحرّش:ـ
ذكرها ابن عيسى (ص 105) وابن بشر (1/187) في عام 1231هـ سار عبدالله بن سعود بجنوده من البادية والحاضرة من الأحساء وعمان ووادي الدواسر والجبل والجوف وقصد القصيم، فنزل الخبراء وهدم سورها وسور البكيرية عقوبة لهم على استدعائهم للترك وألا يعيدوها مرة ثانية، فأقام عبدالله على الخبراء أياما وقتل عبدُالله بن حجيلان شاعرا منها يدعى (عميان) ثم سار منها جهة الحجاز حتى ورد العَلَم قرب الحناكية ثم وصل ماء العمق وبعث جيشا ناحية الحرّة وأخذوا أغناما كثيرة وإبلا ثم وصل الدفينة بعدها قفل راجعا إلى وطنه.
ثم قبض عبدالله بن سعود على ثلاثة رجال من رؤساء أهل الرس وربط  رؤوسهم منهم الأمير شارخ الفوزان أمير الرس وسار بهم إلى الدرعية بسبب استدعائهم للترك، وسميت تلك الغزوة غزوة (مُحِيط ومُحَرِّش) لأنه انتقض الصلح الذي بين محمد علي وبين عبدالله بن سعود بسببها، وتم ترحيل الأسرى إلى محمد علي في مصر فأخبروه بما حصل، ويقول ابن بشر: إنه ركب إلى مصر رجال من أهل القصيم والبوادي وزخرفوا القول لصاحبها وتلقى قولهم بالقبول فأخذ يجهز الجيوش إلى نجد بقيادة ابنه إبراهيم باشا.
يقول الفاخري (الأخبار النجدية ص146) وفيها ـ أي سنة 1231ـ سار عبدالله ابن سعود إلى القصيم وهدم سور الخبراء والبكيرية وحبس الذي دخل من أعيان الرس والخبراء مع الترك مثل سليمان بن حمد وشارخ الفوزان وغيرهم وأهانهم.   
 3ـ غزوة إبراهيم باشا:
في عام 1231هـ سار إبراهيم باشا بالجيوش العظيمة من مصر متوجها إلى نجد، فلما قدم المدينة وأقام فيها مدة ثم رحل منها ونزل الحناكية في بداية عام 1232 ولما علم عبدالله بن سعود بقدومه سار مع جنوده من البادية والحاضرة بجيش كبير لمحاربة إبراهيم باشا في الحناكية، ولما علم الباشا بذلك أرسل القائد علي إزن ومعه عساكر من الترك وبوادي حرب وغيرهم ونزلوا (ماويّة) ولما علم عبدالله بن سعود بقدومه وكان في نَجْخ سار إلى موقع الترك وحصل بينهم قتال هُزِم فيه عبدالله بن سعود ومن معه من الرجال وهلك منهم نحو مائتي رجل بين القتل والأسر والظمأ وهذا أول وهن وقع للمسلمين وذلك يوم الجمعة 15/6/1232هـ رجع بعدها عبدالله بن سعود إلى نجخ  ثم سار إلى الخبراء ثم رحل منها إلى عنيزة.
بعد ذلك سار إبراهيم باشا من الحناكية وقصد ماوية واجتمع بالعسكر الذين فيها ثم رحل بعد أن جمع عساكره ومعه من العدد والعدة والكيد الهائل مما ليس له نظير من المدافع والقبوس الهائلة التي يثور الواحد منها مرتين مرة في بطنه ومرة تثور رصاصته وسط الجدار فتهدمه.  
ثم وصل إبراهيم باشا إلى الرس في 25/8/1232هـ وحاصرها حتى يوم     12/12/1232هـ ( ثلاثة شهور وسبعة عشر يوما ) وضيّق عليهم الخناق فثبتوا وحاربوه وأرسل إليهم عبدالله بن سعود مرابطة مع حسن بن مزروع والهزاني صاحب حريق نعام فحاصرهم الترك أشد الحصار وتابعوا الحرب عليهم في الليل والنهار وحفروا تحت الأرض خندقين أدهما جنوبي البلدة والآخر شرقها وكانوا يحفرون ويحشونها بالبارود، وفي إحدى الليالي سمعت امرأة صوت الجنود وهم يحفرون فبلّغت الشيخ قرناس بذلك فقام بفتح فتحة صغيرة على الخندق وأحضر قطّا وربط في ذيله قبسا من النار وأطلقه في الفتحة إلى داخل النفق فثار البارود في الترك وقتل بعض الجنود وأكل الخيام.
وكانت الرس محصنة تحصينا جيدا وأبدى أهلها والمرابطين معهم ممن بعثهم الإمام لمساعدتهم شجاعة عظيمة وصمدوا أمام قوات إبراهيم بكل ما تملك من قوة واستعداد بقيادة البطل الشيخ قرناس فهم صابرون محتسبون يرجون النصر من الله، وكان الباشا ومعه الروم يسوقون كل يوم من القبوس الشئ الكثير لهدم السور، فأنزل الله السكينة على أهل الرس والمرابطون حول السور وقاتلوا قتال الأبطال لحماية الأهل والعيال وصبروا، وكانوا كلما هدمت القبوس السور بالنهار بنوه بالليل وكلما حفر الترك حفرا للبارود حفر أهل الرس بما يقابله فأبطلوه وأحيانا يثور بهم بدون علمهم، وذُكر أن الترك رموا سور الرس في ليلة واحدة بخمسة آلاف رمية بالمدافع والقنبر والقبس. فأهلكوا ما بداخل السور من النخيل وغيرها، ويروى بأن الباشا قال رجزا هو:
يا رس يا عاصي        يا قوي الساس          أقضيت ملحي ورصاصي
وكان أهل الرس كلما نزل عليهم قبسا من الترك وضعوه في أحواض الماء فأبطلوه ثم أخذوا منه الذخيرة واستعملوها ضد الترك.
ولما ضاق الأمر على أهل الرس  أرسلوا إلى عبدالله بن سعود وهو في عنيزة يطلبون منه إما أن يصل ويناجز الترك وإما أن يأذن لهم بالصلح معهم فأذن لهم، ولما وصل المدد للباشا من الترك بالجنود والقبوس استعظم أمره وكثرت دولته وقع الصلح بينه وبين أهل الرس على دمائهم وأموالهم وسلاحهم وبلادهم.
ومن بنود صلح الرس ما يلي:
1ـ أن يرفع إبراهيم باشا الحصار عن البلدة.
2ـ ألا يدخل جنود الباشا الرس بعد الصلح.
3ـ أن تخرج الحامية السعودية بأسلحتها من الرس بأمان.
4ـ وأن يقف أهل الرس على الحياد حتى يتقرر مصير عنيزة حيث يوجد عبدالله ابن سعود وجنوده فإن خضعت للباشا انضموا له وإلا وقفوا ضده.
وكان يقود أهل الرس في تلك الحرب أمير الرس منصور العساف الذي جُرح أثناءها فتولى الإمارة من بعده علي بن إبراهيم بن سليمان بن شارخ كما تولى قيادة الحرب الشيخ البطل قرناس بن عبدالرحمن.
وقد قُتل من أهل الرس والمرابطين في هذه الحرب سبعين رجلا دفنوا في مقبرة الشهداء جنوب البلدة بينما قتل من الترك أكثر من ستمائة رجل. وروى الرافعي     (ص157) إن قتلى جيش إبراهيم (2400) جندي وقتلى الرس (160) رجلا.
ويقول الفاخري (ص 148) ( وقتل من الرس خلق كثير قيل إن عسكر الترك رموا أهل الرس في ليلة واحدة خمسة آلاف رمية بالقنابر والمدافع والقبوس ولما ايسوا من المدد صالحوهم ) كما ذكر ذلك المؤرخ الشيخ إبراهيم بن ضويان في تاريخه(ص 180).   
وذكر عبدالله الرشيد (الرس ص27) أن الباشا طلب بعد إتمام الصلح أن يدخل إلى البلدة فوافق أهل الرس بأن يدخلها يوم الغد وكان يوم جمعة. وفي الغد فتح أهل الرس البيوت على بعضها وألبسوا النساء ثياب الرجال وأخذوا يترددون في شوارع البلدة ومنازلها، وهم يرافقونه في شوارع البلدة ليوهموا الباشا بأن عددهم كثير بينما لا يوجد فيها بعد الحرب سوى ثمانين رجلا. فقال الباشا (يحق لكم الصبر لكثرتكم وما كنت أظن أن سكان الرس بهذا العدد الكبير) ثم حضر الباشا صلاة الجمعة وكان الشيخ قرناس يخطب وهو يلبس ثياب الحرب خطبة بليغة حث فيها على الوفاء بالعهد وعدم سفك الدماء. فلما انتهت الحرب قال إبراهيم باشا لقرناس (أنت ذئب خطيب) وولاه قضاء الرس. ثم رحل وجنوده عن الرس بعد الصلح ونزلوا الخبراء.
كما يروي عبدالله الرشيد أنه يوجد ورقة بخط إبراهيم باشا هذا نصها (من إبراهيم باشا إلى قرناس بن عبدالرحمن وكافة أهالي القصيم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: من كان عنده بئر فليَزرعها بأمان الله ثم بأمان السلطان ومن لم يزرعها فليُزرعها وإن وجدنا بئرا معطلة عاقبنا صاحبها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) الختم.
وعندما عجز إبراهيم باشا عن احتلال الرس بعد حصار طويل وعقد مع أهلها صلحا اضطر بعده إلى مغادرتها معترفا بهزيمته ـ والحق ما شهدت به الأعداء ـ أرسل إلى والده محمد علي في استانبول كتابا يوضح فيه سبب تراجعه عن الرس وأسماه (الوثيقة الثالثة) أورده الدكتور منير العجلاني (تاريخ البلاد العربية السعودية   4/196) وننقل هنا نصّ الوثيقة :ـ
(حضرة صاحب الدولة والعناية والمرحمة سبب فيض الوجود ولي نعمتي أفندم. إن عبدالله بن سعود موجود في قرية تدعى عنيزة من قرى وادي القصيم وهو ساع لتقوية تلك الأطراف ولجمع العربان حول شخصه، ولما كان الأمر كذلك فإن إقامتنا بهذه الأطراف لم تعد واردة، بل يقتضي دخولنا إلى قرى وأراضي القصيم وقد حوّلنا يعد الإتكال على الله مركز الجيش الذي كنا شيدناه على بعد ثلاث مراحل (قوناقات) من الحناكية في اليوم الخامس عشر من شهر شعبان الشريف وتحركنا صوب قلعة الرس وجعلناها هدفا للمدافع مدة خمسة أيام، وضربنا حصارا على القلعة المذكورة وهدمنا ثلاثة من أبراجها، وقسما من جدرانها، وأمرنا فصائل المشاة بالهجوم عند الصباح، وضبطنا أحد الأبراج التي جرى هدمها إلا أن (المقاتلين) الموجودين كانوا داخل القلعة كانوا قد جمعوا تحت البرج المذكور أغصان النخيل وأحرقوها، مما أدى إلى مضايقة العساكر المشاة الذين احتلوا البرج فحولناهم حالا إلى الخندق الخارجي وأدخلناهم فيه وهكذا أنقذناهم من هذا الكرب. وأما المائة والخمسون جنديا الذين كانوا داخل الخندق فلم يخرجوا منه، بل عادوا إلى المتاريس واستمرت المعركة فاستشهد أثناء هذه المحاربة نحو أربعين نفرا وجرح ستون أيضا.
وإذا كنا لحكمة الله تعالى لم نوفّق هذه المرة لاحتلال القلعة وجعلها بأيدينا فإننا بعد ذلك ركزنا المتاريس على خندق القلعة المذكورة عن طريق (قات) وبعد أن جرى تنبيه مجموع العساكر المشاة وإخلاء الخندق المذكور  رتبنا أمر الزحف والهجوم مرة أخرى وبينما كنا نؤمل دخول القلعة وإذا بابن سعود المدعو (عبدالله) يخرج من عنيزة محل إقامته الواقع على بعد يوم ونصف من قلعة الرس ومعه عدد كبير من الخيالة والهجانة والمشاة والعربان... فيرسل قسما كبيرا من هؤلاء...إلى قرية تدعى حابرة ـ يقصد الخبراء ـ وبما أنه يوجد في قرية خربة بالقرب من حابرة ـ أي الخبراء ـ كانوا يقصدون الإغارة على قواتنا ونهب جمالنا وبوصول تلك القوة المؤلفة من أربعين نفرا ترافق الجمال شرعوا بالهجوم عليهم. وحالما علمنا بما وقع تركنا أمر الزحف على القلعة، وبعد أخذ عدد من الخيالة وصلت لامدادهم.. وبوصولي كان قسم من النجديين المنهزمين يستعدون للهرب فقطعنا عليهم الطريق لمنعهم من الخلاص وحملنا عليهم فقتل مائة وخمسون من أفراد مشاتهم وجرح عدد من خيالتهم أيضا. وبقية السيوف ارتدوا إلى الوراء وانهزموا. واستشهد منا أيضا بعض الخيالة وجرح بعضهم. وعدنا في اليوم المذكور نفسه دون تتبع (النجديين) ووصلنا إلى مراكز الجيش الكائنة بالقرب من القلعة وشرعنا حالا بالحصار. وبما أن هذه القلعة مبنية بالحجارة الصغيرة والتراب وهي على درجة عالية من المتانة والتركيز وكل جدران أبراجها ذو ثلاث طبقات ولذلك فإنه مالم تضرب كل طبقة منها بخمسين أو ستين قذيفة مدفع لايمكن هدمها. وقد تجمع داخلها عدد كبير من العربان، إلا أنني بفضل عناية وعون الله القدير وبحسن توجيه حضرة صاحب الشوكة والقدرة والمهابة مليكنا وأفندينا وببركات دعائكم الأبوي آمل أن أوفق لفتحها وتسخيرها وسأوافيكم إن شاء الله ببشائر عودتي مظفرا منصورا بحمد الله تعالى من المحاربة المذكورة. وللتشرف بعرض ماتقدم حررت هذه العريضة ورفعتها إلى مقامكم العالي مع عبدكم عثمان آغا أحد الأغوات الذي تسلمها باليد، وقد سبق شريف علمكم بالأحوال السائرة وما بقي من الأمور وذلك من كتاب هذا العاجز ومن تقارير خدامكم رجالي الذين عرضوا على دولتكم التفاصيل الواضحة، وإنني بحاجة دائما إلى حسن توجيه الحضرة الأبوية وإلى دعوات ولي النعم الخيرية، وعلى كل حال فإن الأمر لمن له الأمر أفندم) .
20    232                               خاتم ابراهيم باشا
أقول: هذه شهادة واضحة من القائد العثماني يوضح فيها عجزه عن احتلال الرس واعترافه بقوة أهله وشجاعتهم وصبرهم، ومتانة تحصين بلدة الرس وصعوبة هدم سورها على ما معه من قوة من السلاح والعتاد والرجال والقنابل والقبوس وغيرها، ويروى بأن الباشا وجّه باختبار التربة التي بني منها السور واستعمال خراطيم المياه لهدمه ولكن حال دون ذلك عدم توفر المياه في المكان.
وقد تحدث المؤرخ ابن بشر (عنوان المجد 1/189) عن حرب الرس فقال:(ثم رحل منها ـ أي الماوية ـ بجميع عساكره ومعه من العدد والعدة والكيد الهائل مما ليس له نظير كان مدافع وقبوس هائلة كل واحد يثور مرتين مرة في بطنه ومرة تثور رصاصته وسط الجدار بعدما تثبت فيه فتهدمه. فأقبل عساكر الترك مع باشتها إبراهيم ونزلوا الرس لخمس بقين من شعبان فثبتوا له وحاربوه وأرسل إليهم عبدالله مرابطه مع حسن بن مزروع والهزاني صاحب حريق نعام فحاصرهم الترك أشد الحصار وتابعوا الحرب عليهم في الليل والنهار كل يوم يسوق الباشا على سورها صناديد الروم بعدما يجعل السور بالقبوس فوق الأرض مهدوم. فأنزل الله السكينة على أهل البلاد والمرابطة وقاتلوا قتال من حمى الأهل والعيال. وصبروا صبرا ليس له مثال. فكلما هدمت القبوس السور بالنهار بنوه بالليل. وكلما حفر الترك حفرا للبارود حفر أهل الرس تجاهه حتى يبطلوه. وبعض الأحيان يثور عليهم وهم لا يعلمون. وطال الحصار إلى اثني عشر ذي الحجة وذكر أن الترك رموه في ليلة خمسة آلاف رمية بالمدافع والقنبر والقبس.وأهلكوا ما خلف القلعة من النخيل وغيرها).
ثم ذكر ابن بشر أن القتلى من اهل الرس والمرابطة سبعين رجلا ومن الترك ما يزيد على ستمائة رجل. ثم إن القتلى من أهل الرس دفنوا في مقبرة جنوب البلدة بجوار النفق الذي حفره الترك وتسمى اليوم (مقبرة الشهداء). 
كما ذكر الدكتور العجلاني (4/84) بعضا من أقوال المؤرخين والقادة الغربيين الذين كانوا يرافقون إبراهيم باشا في حربه على الرس. ولأهمية حرب الرس في التاريخ السياسي ودور أهلها في الدفاع عنها واستبسالهم وشجاعتهم التي أشاد بها كل من قرأ عنها من المؤرخين العرب والغربيين وعلّقوا عليها وأوضحوا موقف إبراهيم باشا من تلك الحرب، نورد بعضا منها مع التعليق عليها إن أمكن:
يقول سادلير: إن إبراهيم باشا عندما وصل إلى ظاهر بلدة الرس أقسم أنه لن يدع فارسا من فرسانه يترجل ولا خيمة من خيامه تنصب قبل أن يدخل البلدة.. وتقدم رئيس مدفعيته إلى بُعد ثمانين خطوة من أسوار قلعة الرس وشرع برميها، وكان الجنود المصريون يتلقون رصاصا منهمرا من حماة القلعة فيقتل منهم عشرة أضعاف من يقتلون من النجديين.ثم قال واصفا الطريقة التي سلكوها لفتح القلعة: استطاعت المدفعية المصرية بعد رمي موصول خلال ثلاثة أيام أن تحفر ثغرة في البرج فأحضر الجنود أكياسا من القش وسعف النخل وملئوا بها جانبا من الخندق المحيط بالقلعة ليمروا فوقه إلى الثغرة ويزحفوا إلى القلعة.
كما قال سادلير متحدثا عن قوة أهل الرس في الدفاع عن بلدتهم: وقد أمر إبراهيم باشا ستمائة من خير مشاته بالزحف عبر الخندق المردوم إلى القلعة ففعلوا، ولكنهم لم يستطيعوا تسلق الأسوار، وكان الرصاص ينهمر فوقهم.. بينما لا يستطيعون التراجع لأن إبراهيم باشا أمر رجاله بقتل كل جندي منهم يتقهقر.. وقد رفض كذلك دفن الذين قُتلوا منهم.
أقول: هذا العمل يدل على شجاعة أهل الرس وعزيمتهم على هزيمة الباشا، كما يدل أيضا على جبروت الباشا وتضحيته بجنوده عندما رأى عجزه عن فتح قلعة الرس وما وجده من مقاومة لم يتوقعها، كما أنه يرى أن احتلال الرس مفتاحا لضم بقية المنطقة.
ثم استمر سادلير يصف بطولة أهل الرس وما خسره الباشا أمامهم وهي شهادة من رجل خبير بالحروب وشاهد عيان فقال: امتد حصار المصريين للرس ثلاثة أشهر ونصف الشهر، أظهر خلالها النجديون في الرس أنهم كانوا أكثر علما بالحرب من القائد التركي.ثم قال: استهلك إبراهيم باشا في رمي الرس بالمدافع ثلاثين ألف حلقة من القنابل، وأطلقوا من الرصاص ببندقياتهم حمولة أربعمائة جمل. وقدرت خسائر الجيش في محاولة الزحف التي قام بها بتسعمائة قتيل وألف جريح. ثم قال عن حيلتهم في الحصول على النصر: وصنعوا من أشجار النخيل ما يشبه البرج ونصبوا عليه المدافع ليرموا البلدة من علو فلم يُجْدِ ذلك. وأخيرا اقتنعوا بأن أسوار الرس مصنوعة من مادة لا تنفذ منها القنابل، ولم يبق أمام الباشا إلا رفع الحصار وترك الرس لأهلها.
أقول: هؤلاء هم أبطال الرس وشجعانه الذين صبروا وجاهدوا لتسلم بلدتهم من الاحتلال، رغم كل الحيل التي طرقها جيش الباشا لفتحها، حتى أنهم كانوا يقطعون نخيل البلدة ويأكلون جمّارها من قلة الطعام معهم، وكانوا يضعون جذوعها صروحا يرفعون عليها مدافعهم ويصعدون عليها لرمي الأهالي بالقنابل ولكنهم يشاهدون أهل البلدة وقد استعدوا لهم بالرد، كلما فتحوا ثغرة في السور بالنهار بناها أهل الرس بالليل.
كما روى انكليري (المصدر السابق 4/85) ما يلي: ذهب إبراهيم باشا إلى الرس في 8 يوليو، ولحقه إليها فيصل الدويش..  لم يعاين إبراهيم باشا بلد الرس ويختبر مواضع الضعف فيها، وكان هذا خطأ كبيرا منه، لأنه كان يطلق المدافع عليها دون هدى وربما فعل هذا لاعتلال صحته ورغبته في استعجال الأمور، ومع العجلة الزلل.
ثم قال: فَقَدَ إبراهيم باشا في الرس أكثر من ثمانمائة من رجاله وندم لما كان منه، وكان يمنّي الجنود ويعدهم بقرب وصول المدد من مصر وطال الحصار كثيرا..ولو أن عبدالله بن سعود جاء إلى الرس على تلك الحال لدحر المصريين ولكن عبدالله لم يفعل وكأنه هو أيضا كان ينتظر المدد.
كما أن العجلاني أورد رواية آثار الأدهار فقال: إن إبراهيم باشا سار من الماوية (في أربعة آلاف رجل وألف ومائتي فارس ما خلا التابعين من الأعراب، قاصدا مدينة الرس فنازلها ورماها بالكرات ستة أيام متوالية وهاجمها ثلاث مرات ولم يتمكن من اقتحامها، وكانت بينه وبين حاميتها معارك قتل فيها من عسكره زهاء 3400 مقاتل، ولم يهلك من عساكر الوهابية إلا نحو 160 مقاتلا وجرح منهم جماعة. ثم هادن أهل المدينة على أن يرحل عنها ولا يدخلها، فوادعوه على أن يكون له حق بإقامة طائفة من جنده إذا استولى على بلدة عنيزة)
أقول: وهذه شهادة ممن عاين تلك الحرب تفيد بأن أهل الرس قتلوا أكثر من نصف جند الباشا في تلك الحرب ولم يبق معه إلا القليل الذين خافوا من موقفهم الضعيف مع تأخر المؤن أمام أهل الرس الذين يبدون بسالة وشجاعة وصبر، مما جعل الباشا يتنازل عن جبروته وكبريائه ويعقد الصلح المشهور مع أهل الرس.
أما ما نقله العجلاني عن مانجان ( نفس المرجع) قوله: إن إبراهيم باشا أخفق مرارا في اقتحام الرس، وأنه عمد إلى حيلة ظنها ناجحة لحمل أهالي الرس على الاستسلام، وذلك أنه قتل عددا من النجديين ووضع جثثهم أمام سور الرس ليراها السكان ويخافوا ويستسلموا ولكنهم استمروا في مقاومتهم الباسلة. وقد كتب إبراهيم باشا إلى فيصل الدويش يستقدمه إلى الرس فحضر مع رجال من عشائره وقدّم المؤن ووسائل النقل. ثم أضاف: وفي النهاية صالحت حامية الرس إبراهيم باشا على عدم محاربته، وعلى القبول بدخول حامية مصرية إلى البلدة متى استولى المصريون على عنيزة.
ثم قال: خسر المصريون في حصار الرس 3400 رجل، ولم يخسر النجديون سوى 160 رجلا.
ثم أورد العجلاني (نفس المرجع 486) ما قاله قنصل فرنسا في القاهرة أن المستشار الحربي لإبراهيم باشا واسمه فيسير اخبره بأن خسائر المصريين في الرس بلغت ثلث مجموع قواتهم.
أقول: إن العدد المذكور سابقا من القتلى في صفوف جند إبراهيم باشا لا يدل على ضعف الجيش المصري بل لا يشك أحد بأنهم مدربون على الحرب قبل قدومهم وأنهم مسلحون بمجموعة من المدافع والقنابل والذخيرة المنوعة، ولكن قوة إيمان أهل الرس وشجاعتهم وبسالتهم مع قلة المؤن لديهم وقلة خبرتهم في الحروب وأنهم في موقف الدفاع عن بلدتهم وفقهم الله للنصر على عدوهم ودحر الظلم والعدوان، مع العلم بأن الذي يملك المبادرة في الحرب هو الذي يملك النصر ولكن إرادة الله ولطفه جعل النصر مع أهل الرس.
ثم أورد العجلاني (المصدر السابق 4/87) ما رواه الجنرال فيغان: إن إبراهيم باشا أخطأ في حصار الرس لأنه لم يعمل بنصيحة مستشاره فيسير، حيث أشار عليه باختيار المواضع المناسبة لمدافعه قبل رمي البلدة.        
 وقد أورد العجلاني مقولة للشيخ عبدالرحمن بن حسن في المقامات: إن إبراهيم باشا نزل القصيم وحاربهم قدر شهرين وأيدهم الله بالنصر لما كانوا مستقيمين صابرين وعزم الباشا على الرجوع عنهم لكن فيصل الدويش ـ قاتله الله ـ قوّى عزمه وطمّعه  وخوّفه وبعد هذا صالح أهل الرس.
ويروي أهل الرس عن تلك الحرب مجموعة من القصص نذكر منها واحدة تدل على الحقد الذي يملأ قلوب الترك على أهل نجد، فعندما عجزوا عن احتلال الرس تركوها واتجهوا نحو الدرعية مقر ابن سعود وقاتلوا حتى سقطت الدرعية في أيديهم عام 1233هـ أراد إبراهيم باشا القضاء على مجموعة من أبطال الجزيرة العربية بسبب ما لقيه منهم من مقاومة وصبر وشجاعة عند التصدي له، فأرسل مجموعة من جنده إلى الرس وأوصاهم بقتل الشيخ قرناس بن عبدالرحمن حيث كان هو القائد الذي هزمه في حرب الرس، فأدركوه وهو يصلي بالناس، ثم إن الشيخ قرناس أحس وهو يصلي بالمسجد بأصوات غير معتادة وكان يقرأ جهرا في سورة القيامة ولما وصل إلى آية {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} أخذ يرددها وكان المؤذن محمد بن عبدالله الخميس يفهم ما يقصده الشيخ قرناس فرد عليه بقوله (إلى أبان الحمر) موحيا له بالمكان الآمن للفرار دون أن يفهمها الجنود الترك، ثم سجد قرناس وأطال في سجوده وهرب من المسجد تاركا الناس ساجدين متجها إلى جبل أبان الحمر وبذلك نجا من القتل.  
وقد خلّد بعض الشعراء تلك الحرب بأشعارهم، قال حمد بن دعيج:
وشب نار الحرب فوق الرس         ثلث السنة يضربهم بالقبس
وصبروا   وصبرهم   قربانا         أصبر في الهيجاء من أبانا
رجال صدق في اللقاء والباس          أعيانهم  وشيخهم  قرناس
وقال الشاعر مبارك البدري:
يا راكب من عندنا فوق ضامر       يشوق صبي العين حلوه هذيله
تلقى خيام بأيسر الحزم شيدت       وهذيك  خيام  العز واحبني له
أهل بيرق السلطان تاهو وتيهو            عزويلها   ما باقي   إلا قليله
لكن جثاياهم على جال حفرنا         خنز دودهم سحم الضواري تجي له
ساعة لفونا بالفواريع قطعوا         نخلنا وقزوا ورقنا عن مقيله
وإلى ضربونا بالقناتير ووجهوا         لوينا لمشقاص الفرنجي فتيله
فتى الجود قرناسنا إلى ما تعالت        بالأشوار يقعد تايهه مع دليله
مطوعنا ما جابت البيض مثله       الكرى  للعين  ما ينبغي  لـه
وقال الشاعر صالح بن محمد العوض في ذلك قصيدة منها:
يوم جاء راعي الرقباء واجانيبه            من اسنبول يمشي به لما جانا
باشة لابس  له  فيس يومي  به     نيته   بس   ياصلنا  ويفضانا
حظبوا  مدفع  للحرب  يرمر به            واللغم حظبه من  تحت  مبنانا
عزنا   الله   وولعنا   مشاهيبه            ثار  ملحه  بعسكرهم ولا جانا
قل  ...  هرجه  لا يدري   به       يرفع  الحس  واللوم   يتعدانا
من عصى أمرك وبانت لك مضاريبه           أدبه    لا تشاورنا   وتنهانـا
أنت أمير البلد تاخذ وتعطي به       وتهدانا  على  رأيك  وتقدانـا
وقالت الشاعرة رقيه الدهلاوية من شاعرات الرس:
هيه ياراكب  حمرا  ظهيره           تزعج الكور  نابية  السنام
الفرنجي  إلى  قمنا   نكيله          نلفظه  مثل  سيقان  النعام
دون سوره تخلى كالمطيرة           لا تحلوى الردى حلو المنام
في  يدينا  سيوف  شطيرة           تنزع الراس وتفصل العظام
4ـ غزو الرويضة:      
والرويضة: هي مزرعة صغيرة تقع شمال الرس على بعد (5) أكيال على ضفة وادي الرمة الجنوبية قبل أن يصل الوادي إلى الرس، ومنهم من يسميها (الرويضات) بصيغة الجمع.
وملخص غزوة الرويضة: كما ذكر ابن يشر (عنوان المجد 1/184) أن عسكر الترك في الحناكية ساروا إلى القصيم بأمر أحمد طوسون فأطاعهم أهل الخبراء والرس فدخلوهما واستولوا على ما حولهما من القصور والمزارع بينما ثبت بقية بلدان القصيم وحاربوا الترك، فلما بلغ ذلك عبدالله بن سعود استنفر جميع المسلمين من أهل الجبل والقصيم ووادي الدواسر والأحساء وعمان ومابين ذلك من نواحي نجد، فخرج من الدرعية في بداية جمادى الأولى 1230هـ واجتمع المسلمون عليه ونزل المذنب ثم رحل منها ونزل الرويضة المعروفة فوق الرس فقطع منها نخيلا ودمرها وأهلك غالب زرعها وأقام عليها يومين.
وورد في كتاب الدرر المفاخر للشيخ محمد البسام التميمي النجدي المتوفى عام 1246هـ (ص 91) في معرض حديثه عن بلدان القصيم مايلي {وأما المداين وأشجارها فأوجدها أشجار النخيل التي لم يحاكها مشرقا أومغربا، ولما قدمها العزيز وخالفوا أمره وأنكروا طاعته، أمر عساكره بقطع النخيل لعلمه أنهم لايطيقون الصبر دونها، فالذي قطع من الرس خمسون ألف نخلة، وعلى النخلة الواحدة رجالين أو أطول حتى لم يبق من عسكره من لم يجهد في قطع النخيل لزيادة الطمع، وقلة التعب. قال المؤلف: حدثني بعض الحاضرين وقايعهم أن الرجل يقطع في الساعة الواحدة إلى ثمان نخلات، وسبب ذلك أنهم متأهبين لها بآلات من الحديد يطعنها به فيدخل في جذعها شبرا فيرتكي عليه بصدره، ويستدير به عليها وياخذه منها فإذا حركها النسيم قليلا نزلت}.
أقول: إذا كان القول السابق صحيحا فلاشك بأنه كان يقصد بالعزيز عزيز مصر(طوسون باشا) لأنه هو الذي أغار على الرس في حدود هذا التاريخ ونزل بالرويضة وكانت مشهورة آنذاك بمزارع النخيل وهو الذي أمر رجاله بقطع نخيلها انتقاما من أهل الرس وهذا حال الحروب.        

الرس والدور البطولي.

أهل الرس والدور البطولي:
مدينة الرس من المدن التي أنجبت مجموعة من الأبطال الذين كان لهم ذكر في الحروب السابقة، سواء منها ماكان لتوحيد البلاد السعودية بجوار البطل المغوار الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ أو سابقتها مما كان يدور بين البلدان والقبائل من معارك وحروب، ثم إن الرس اشتهرت بالحروب التي دارت حولها مثل الحرب التي دارت بين عنزة والظفير عام 895هـ كذلك حرب الجلاّس التي وقعت في القرن الحادي عشر، وحركة ابن عريعر والدرو البطولي لأهالي الرس فيها، كذلك المعركة التي دارت بين أهالي الرس  وحملة طوسون باشا على الرس والدفاع الشجاع للأبطال فيها عام 1230 كذلك حملة إبراهيم باشا بعد ذلك عام 1232هـ وما كان لهم من دور بطولي استطاعوا هزيمة الأعداء وصدهم عن بلدتهم، لأن أبطال الرس يكنّون لبلدتهم الحب والوفاء والتضحية والفداء، لا أدلّ على ذلك من أن كثير أهالي الرس منخرطون في العسكرية ومعروفون بالشهامة والشجاعة، كذلك فإن الأشراف يفضلون أبناء الرس من أجل حبهم للعسكرية، حيث كانوا يبدون عزيمة وتضحية عند اللقاء. وقد خلّد الشعراء تلك المعارك والبطولات التي دارت حول الرس . بل يوجد من شعراء الرس المشهورين من يطلق عليه (شاعر الحرب) مثل الشاعر: ابراهيم بن دخيل الخربوش، ومثله: مبارك البدري وصالح العوض والشاعرة: موضي الدهلاوي.
فقد قال الشاعر إبراهيم بن دخيل الخربوش:
حربنا خابرينه أول وتالـي               كل باشه يجي ينكس بعرضيه
كل باشه يجينا يطلب العالي         يطلب الصلح والدوله علاويه
وقال أيضا متحدثا عن حال ربعه أهل الرس وحبهم لملاقاة العدو:
والله ماجينا من الرس عانينا  إلا ندور الحرب ياللي تدورونـه
من يوم سرنا والمنايا تبارينا  واللي ورد حوض المنايا تعرفونه
معنا سلاح ننقله في يمانينـا ملح  الجريف  محيّل  له  يزلونه
وقالت الشاعرة موضي الدهلاوي وهي من أشهر الشاعرات بالرس وكانت تستحث همم الرجال للإقدام والمشاركة بالحروب:ـ
هيه ياراكب  حمرا  ظهيره                تزعج  الكور  نابية  السنام
سر وملفاك هل العوجا مسيره                ديرة  الشيخ   بلّغه  السلام
ياهل الحزم يانعم  الذخيرة          إن لفاكم  من  الباشا  علام
أدعوا الله ولاتدعون غيره                 واعرفوا مامن الميته سلام 
الفرنجي إلى قمنا نكيلــه                تلفظه مثل سيقان النعــام
عند سوره تخلى كالمطيره                 إلى استلذ الردى حلو المنام
ما نقلنا السيوف اللي شطيره        كود للكون في وقت الزحام
ويقول الشاعر صالح بن عوض من قصيدة يذكر فيها شجاعة وبسالة قومه أهل الرس ويشير إلى حيلة أهل الرس عندما أشعلوا الفتيل في الملح الذي عبأه ابراهيم باشا في الخندق الذي حفره لهدم سور الرس:
جاء  راعي  الرقطا  وجانيبه        من اسطنبول يمشي لما جانا
باشة لابس له فيس يومي به       نيته  بس  ياصلنا  ويفضانا
حظّبوا مدفعا للحرب يرمي به       واللغم حضبه من تحت مبنانا
عزنا  الله  وولعنا  مشاهيبه        ثار ملحه  بعسكرهم  ولاجانا
ويقول عنهم عبدالعزيز عبدالغني ابراهيم  (كانت الرس أقوى البلاد النجدية تحصينا، وأهل الرس من أقوى المحاربين شكيمة، ولهذا صمدت البلدة أمام مدافع ابراهيم باشا، ولم تسلم له إلا بعد أن لم يكن بد من ذلك، وأصابت لتك البلدة سلما مشرفا، لم يقع على هذه البلدة أن تؤدي للجيش ما يؤديه المهزومون عادة من الغرامات، ولم يقع عليها عبء تموين الجيش، ولم يستطع جند إبراهيم أن يستبيحوها فسلمت للبلدة أموالها وأعراضها).
وسوف نتحدث عن أيام العرب وحروبهم التي وقعت في بعض المواضع حول الرس في الجاهلية والإسلام، وقد يُلاحظ أن بعض تلك الحروب لم تقع في أرض عاقل أو الرس ولكن نذكرها لوقوعها في أماكن قريبة منها بل هي أماكن الرحلات يرتادها أهل الرس قديما وحديثا، كذلك تلك الحروب والمعارك التي وقعت بين أهل الرس وغيرهم من الغزاة في عصرنا الحاضر. 
1ـ حرب داحس والغبراء:
وهو من أيام العرب العظيمة، كان بين عبس وذبيان، ملخصه: أن قيس بن زهير العبسي وحذيفة بن بدر الفزاري تراهنا على سباق بين خيل قيس ويسمى (داحس) وفرس حذيفة وتسمى (الغبراء) بأن يجرياهما وجعلا الرهان مائة ناقة، ومنتهى السباق مائة غلوة والمضمار بينهما أربعين يوما، وبعد أن أرسل كل منهما خيله إلى رأس الميدان وكان في الطريق شعاب كثيرة، ووضع حذيفة بن بدر وأخوه حمل فتيانا من فزارة على طريق السباق وقالا لهما إن جاء داحس سابقا أن يردوه عن غايته، فلما رأوا داحس سبق الغبراء وكاد أن يصل الغاية وثب الفتية في وجهه فودوه حتى تغلبت عليه الغبراء فسبقته، ثم اختلف قيس وحذيفة في الحكم من ينال الرهان وتشاجرا ثم استعدوا للحرب التي دامت بينهم أربعين عاما. قضت على الرطب واليابس وامتدت إلى الرس وماحوله، وظهرت في هذه الحرب شجاعة عنترة بن شداد العبسي.
2ـ يوم خــزاز:
وهو جبل يقع جنوب الرس بحوالي (50كيلا) وقعت فيه عدة حروب في الجاهلية، منها هذا اليوم الذي وقع بين قبيلتي معدّ ومُذجح ، وهو أن ملكا من ملوك اليمن كان لديه أسرى من قبيلتي مضر وربيعة فأطلق سراح بعضهم وقال: آتوني برؤساء قومكم حتى آخذ عليهم المواثيق بالطاعة لي ولملكي وإن لم تؤتوني بهم سوف أقتل أصحابكم، ولما وصلوا قومهم وأخبروهم بذلك عزموا على محاربتهم. ثم اجتمعت قبيلة معد مع كليب بن وائل وساروا حتى وصلوا جبل خزاز فأوقدوا فوقه نارا يهتدوا بها ويعلنوا القوة على عدوهم، يقول فيها الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم:
ووفد أوقد في خزازا     رفدنا فوق رفد الرافديـــنا
وفي المقابل سارت قبيلة مذجح ومن معهم من قبائل اليمن وتهامة وعندما وصلوا إلى خزاز بقيادة سلمة بن خالد السفاح أن يوقد عند وصوله خزازا في رأسه نارين، وعندما شاهد كليب النارين قد أوقدتا سار بجموعه نحو الجبل قاصدا الحرب ثم دارت بينهما حربا شديدة انهزمت فيها قبيلة مذجح ومن معها. وبذلك يقول الشاعر ابن الحائك:
كانت لنا بخزازى وقعت عجب       لما التقينا وحادي الموت يحديها
ملنا على وائل في وسط بلدتها       وذو الغمار  كليب العز  يجمعها
3ـ يوم البطاح:      
والبطاح بلدة صغيرة تقع جنوب غرب الرس على بعد (20كيلا) مجاورة لقرية الرسيس من جهة الجنوب. وكانت من ديار بني أسد. وملخص يوم البطاح: أنه عندما انتقل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في العام الحادي عشر من الهجرة ارتد بعض العرب ومنعوا الزكاة وأبوا أن يدفعوها لأبي بكر وكان في البطاح مالك بن نويرة وقومه من بني يربوع من تميم ممن منع الزكاة. ثم إن سَجَاح بنت الحارث التميمية قدمت إليه تحرّضه على غزو المدينة والموادعة، فوادعها مالك ولكن صدّها عن غزو المدينة، ثم اجتمعت مع مالك بن نويرة ووكيع بن مالك وحاربوا الرباب وقُتل من الجانبين خلق كثير، ثم إنهم تصالحوا بعدها وعاد السلام لبني تميم. ودفعوا الزكاة إلى خالد بن الوليد عدا مالك بن نويرة فقد منعها وتحصّن في البطاح. ولما علم خالد بأمره سار بمن معه من المهاجرين والأنصار إلى البطاح فلم يجدوا فيها أحدا وكان مالك حين اضطرب عليه أمره قد فرّقهم في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع ورجع هو إلى منزله. ثم بثّ خالد السرايا بالبطاح وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يُجب، وأن يقتلوه إن امتنع. فجاءوه بمالك بن نويرة  في نفر من قومه بني يربوع فحبسهم خالد حتى ينظر في أمرهم في الصباح، وكان الليل باردا فنادا خالد : أن (دفئوا أسراكم) وكانت في لغة كنانة تعني القتل، وكان الحرّاس من بني كنانة فقتلوا من بالسجن جميعهم ولما سمع خالد الصّراخ وقد أبادوهم جميعا قال(إذا أراد الله أمرا أصابه) ثم قفل خالد راجعا إلى المدينة، وقدم مُتَمِّم بن نويرة أخ مالك المدينة على أبي بكر الصديق ورثى أخاه وأخذ الدية.     

4ـ يوم عاقل:      
أما عاقل فهو واد واسع يجري من جنوب الرس باسم (وادي النساء) متجها نحوالشرق وعندما يصل إلى العبيل جنوب شرق الرس متصلا بوادي الإرطاوي يتّسع ويسمى (بطن عاقل) وهو كما أسلفنا مقر مملكة كندة وبعدهم بني أسد، وكان يوجد به عدة آبار تشتهر بعذوبتها يردها الأعراب للري وسقي الماشية.
وأما يوم عاقل فيتلخص: بأن الصمة الجشمي أغارعلى بني حنضلة من تميم في بطن عاقل، فانهزم جيش الصمة وتم أسره من قبل الجعد بن شماخ. وطلب الصمة من الجعد أن يبقيه على قيد الحياة على أن يفتدي نفسه فوافق الجعد على ذلك، ثم إن الصمة أرسل إلى قومه يطلب بعث الفداء ولكنه تأخر، فظن الجعد بأن في ذلك خديعة، وكان الجعد يحضر في كل شهر أفعى كبيرة فيحلف أن يسلط عليه الأفعى إن لم يأت بالفداء، ثم جزّ ناصيته وأرسله.
وبعدها غزا الصمة بني حنظلة فأسره الحارث المجاشعي ثم عفا عنه، ثم طلب الصمة من الحارث أن يسير به في قومه لطلب الفداء ولما أتوا بني يربوع رآى أبو مرحب الصمةَ على تلك الحال أخذ سيفه وضرب به بطن الصمة فأثقله. وعلى أثر ذلك كاد أن يقع بين بني حنظلة وبني يربوع قتال شديد إلا أن مصعب بن أبي الخير أطفأ الفتنة بينهم قائلا (يا بني مالك هذه يدي بجواركم فهي لكم وفاء) فسلموا من حرب وشيكة.       
5ـ يوم منعج:      
ومنعج هي حاليا تسمى (دخنة) التي تبعد عن الرس مسافة (53كيلا) جهة الجنوب أسفل جبل خزاز. ويوم منعج كان بين        وملخصه: أن زهير بن جذيمة العبسي سيد قيس عيلان تزوج إليه النعمان بن امرئ القيس ملك الحيرة لشرفه وسؤدده،وطلب منه أن يزوره أحد أبنائه فأرسل إليه أصغر أبنائه شاسا فأكرمه وحباه وألبسه أحسن اللباس، وبعد الزيارة خرج يريد أهله ولما وصل منعجا أناخ بعيره في ردهة من جبل رياح بن الأسك الغنوي وليس فيها غير بيته في يوم رياحه شمالية شديدة، ثم أخذ شاس يغتسل بين الناقة والبيت وامرأة رياح تنظر إليه وهو كالثور الأبيض فطلب رياح من امرأته قوسا وسهما وأرسل لشاس سهما استقر في صلبه فمات ثم دفته وأخذ متاعه وذبح بعيره وأكلها. ولما سأل زهير عن شاس وبحث عنه لم يجد له أثرا وتيقن أن رياحا قتله قال فيه:
بكيت لشاس حين خُبرت أنه         بماء غني  آخر  الليل  يسلب
لقد كان مأتاه الرداة  لحتفه          وما كان لولا غرة الليل يسلب
قتيل غني ليس شكل كشكله          كذلك لعمري الحين للمرء يُجلَب
إلى آخر القصيدة، ثم انصرف لأهله ولم يقابله غنوي إلا قتله. ثم غزت بنو عبس غنيا قبل طلب الدية مع الحصين بن زهير والحصين بن أسيد بن زهير فقالوا لرياح: أنج واخرج لعلنا نرضيهم بدية وفداء. فخرج فارّا منهم ولقيه جماعة من قوم زهير ورموه بسهم وتجامل على نفسه واحتمى بردهة من جبل فيها بيت أنمار ابن بغيض ودمه ينزف، ومكث فيها وطلب من المرأة ماءا ليشرب من العطش فأبت فبتر عروق يدها وأخذ الماء فشرب ثم توجه إلى قومه.             
6ـ يوم التناءة:      
التناءة هو الاسم القديم لقرية الشبيكية الواقعة جنوب غرب الرس وهي من حمى ضرية جعلها الخليفة عمر بن الخطاب مع جبل سواج المجاور لها حمى لخيل الصدقة. و يوم التناءة يتلخص في خروج بنو عامر في غارة يريدون غطفان بقصد الثأر لما لحقهم يوم الرّقم، فأخذوا نعما لبني عبس وذبيان وأشجع، وفروا بها متجهين نحو بلادهم فضلّوا الطريق وسلكوا وادي التناءة فأمعنوا فيه ولم يستطيعوا الخروج منه ووصلوا التقاء الجبلين، ثم إنهم في طريقهم رأوا امرأة من بني عبس تضرب الشجر بعصا ليسقط ورقها فسألوها عن المطلع فقالت: الفوارس المطلع وكانت وهي على الجبل قد رأت الخيل قد أقبلت ولم يرها بنو عامر لأنهم في الوادي ولم يعلموا أن أحدا يتبعهم فخافوا من قولها فأرسلوا رجلا إلى أعلى الجبل يراقب لهم فرأى فرسان غطفان من فزارة وأشجع وبني عبس على الخيل متجهين إليهم فصاحوا: أتاكم الموت الزؤام، وكان عامر بن الطفيل أول من سبق على فرسه ففات القوم ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا وقُتِل كثيرون من أشراف بني عامر وكانت الهزيمة عليهم. وبذلك يقول خراشة ابن عمرو العبسي:
وساروا على أطنابهم وتواعدوا      مياها تحامتها تميم وعامر
قذفتهم  في  اليم ّ ثم   خذلتهم       فلا والت نفس عليك تحاذر
7ـ يوم طخفـة:      
طخفة جبل مشهور قديما وحديثا يقع جنوب غرب الرس وجنوب الشبيكية وجبل سواج، يعرفه أهل الرس كثيرا حيث هو مكان نزهتهم ورحلاتهم، كما يقع غرب بلدة القرارة. 
أما يوم طخفة فيتلخص فيما يلي: كانت الرِّدَافة بمنزلة الوزارة عند العرب قديما، وكانت ردافة ملوك الحيرة في عهد المنذر بن ماء السماء لعتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع ولما مات نشأ له ابن صغير يقال له عوف بن عتاب، فقال حاجب بن زرارة للمنذر إن الرفادة لا تصلح لهذا الغلام لصغر سنّه فلتكون لرجل كهل واقترح عليه أن تكون للحارث بن بَيْبَة المجاشعي فعرضوا ذلك على بني يربوع فرفضوا وقالوا (لن نفعل ولن ندعها) فقال المنذر إن لم تدعوها فأذنوا بحرب، فقالوا: دعنا نسر عنك ثلاثا ثم آذنا بحرب.
وسارت بنو يربوع ومعها خمسة رجال من بني تميم حتى نزلوا شعبا في طخفة وهو شعب حصين له مدخل كالباب، ودخلوا فيه هم وعيالهم ثم جعلوا العيال في أعلاه ومالهم وحلالهم ومنها الإبل والخيل في أسفله، وبعد ثلاثة أيام أرسل الملك المنذر جيشا كثيرا إلى بني يربوع في جبلة على رأسه ابنه قابوس وأخوه حسّان وبعد أن انطلقوا أتوا شعب جبلة فدخله قابوس وحسان وجيشهم حتى عندما ضاق بهم الشعب حملت بنو يربوع النّعَم عليهم وخرجت الفرسان من شعابه فقعقعوا بالسلاح للنعم فذعروها فأخذت النعم تدوسهم بأقدامها وبنو يربوع تقتل بهم وتطعن حتى أُسر قابوس وحسان وهُزم الجيش. ولما أصبح الملك أتاه رجل على بعير انهزم من أول الجيش فأخبره بالهزيمة. فدعا المنذر شهاب بن عبد قيس اليربوعي وكان قد حبسه عنده وقال له: يا شهاب، أدرك ابني وأخي فإن أتيت بهم حيّين فلبني يربوع حكمهم وأرد عليهم ردافتهم وأُهدر عنهم ما قتلوا وأهنئهم ما غنموا وأحمل لهم من قّتل منهم فأعطيهم بها ألفي بعير. فخرج شهاب فوجد الرجلين حييّن فضمن لقومه ما قال المنذر فرضوا بذلك وعادت الردافة لبني عتاب ولم تزل لهم حتى مات المنذر. قال متمم بن نويرة في تلك الوقعة:
ونحن عقرنا مهر قابوس بعدما            رأى القوم منه الموت والخيل تلحب
عليه دِلاَص ذات نسج  وسيفه       جُرَاز من الهندي أبيض مقْضب
8ـ مناخ الظفير وعنزة :ـ
في سنة 895هـ حصل هذا المناخ بين قبيلتي الظفير وعنزة حول الرس ما يقرب من عشرين يوما، وهم يغادون القتال ويراوحون على ظهور الخيل ومشى بعضهم على بعض انتصرت فيها عنزة على الظفير بعد قتال شديد بينهم وترك الظفير محلهم وأغنامهم ورحلوا عن الرس، وقد قتل من القبيلتين عدة رجال منهم نقا بن سويط من شيوخ الظفير.
9ـ وقعة كيــر:
      في سنة 1195هـ وعند جبل كير الذي يقع جنوب الرس، قبيلة عنزة بقيادة جديع بن هذّال شيخ عنزة وموطنهم من النبهانية حتى كير وقبيلة مطير وشيخهم فيصل الدويش الذين نزلوا بجوارهم في الحجناوي طلبا للمرعى وأخذوا ينتقلون من مكان إلى آخر حيث يطيب المرعى، وعند انقضاء فصل الربيع ومدة الجوار ثلاثة أشهر وطلب شيخ عنزة من مطير الرحيل وقال (إنا مُصبّحوكم غدا فخذوا حذركم) واستعدوا للصباح وجمعوا جموعهم عند الجبل، حيث استنجد جديع بن هذّال بقبيلة الرحيل وغيرهم من قبائل عنزة وأغار بهم على مطير فبُهت فيصل الدويش وقومه من المباغتة وعجزوا عن إقناعهم فباتوا يديرون أمرهم وصمموا على الاستماتة والدفاع أموالهم وأنفسهم فجمعوا الإبل ورتبوا الخيل والرجال وعرف كل منهم موضعه، واستعد الجميع في الغداة للمناوخة والملاقاة فحصل بينهم آخر النهار قتال فدارت الدائرة على عنزة فانهزموا فقتلوهم مطير شر قتلة وتبعتهم الخيل إلى أن وصلوا إلى جبل كير جنوب الرس. وقد قتل من رؤساء عنزة وفرسانهم عدة رجال منهم أميرهم جديع ابن هذّال وأخاه مزيد بن هذّال وضُرَيْ بن خَتّال ومقعد بن مجلاد. وبذلك يقول شاعر عنزة:
يا كير ما عينت ربع لجوا فيك       خطلان الأيدي نقوة أولاد وايل
وتقول مويضي الدهلاوية زوجة مجلاد بن فواز شيخ الدهامشة من عنزة في تلك الحرب:
يا كير لا مرت عليك المخاييل        في قاعتك يا كير حل الذباح
أخذ حلاوتها جيدع بن منديل         خلا الغثا لرباعته واستراحي
لومي على اللي يلبسون السراويل        ما عفّتوا لرقابهن يوم طاحي
خلّوه بوجيه العصاة المغاليل         وراجوا عليه مغلّبين الرماحي
10ـ حرب الجُلاّس:
في بداية القرن الحادي عشر الهجري وبعد أن تم تأسيس الرس وبدأ فيها البنيان وبدأت حركة استيطان الأعراب حول الرس وعندما تولى على إمارتها هديب ابن عويص بن محمد بن علي بن راشد المحفوظي أي قبل عام 1020هـ بقليل. ويروي الأستاذ عبدالله الرشيد (كتاب الرس ص 23) أن تلك الحرب جرت بين عامي 1140ـ1190أغارت عشيرة الجُلاّس من عنزة على الرس بقصد الاستيلاء عليه وأحكموا  الحصار واستمرت الحرب بينهم حوالي أربع سنوات ، فما كان من أميرها إلا أن استعان بقبيلة الظفير التي تسكن جنوب الرس لمساعدته في صد قبيلة الجُلاّس مقابل أن يعطيهم بئرين من آبار الرس لسقيا أنعامهم. وحاربوهم حتى صدّوهم وفكوا الحصار عن الرس. وهذه الحرب تسمى (حرب الجُلاّس).
11ـ غزو الضيط في جبل النير:      
وقعت هذه الغزوة في عهد أمير الرس حسين العساف، في حدود عام 1328 حيث أغار عدال الضيط ليلا على ماشية لأهل الرس ترعى في جنوب البلدة فنهبها واقتاد الرعاة وعندما وصل إلى سناف بين دخنة ونفي يسمى (حيد الردامي) أطلق سراح الرعاة وفر بما معه من الأغنام حتى وصل جبل النير على الطريق بين البجادية وعفيف، ولما رأى نفسه في أمان بنى حظيرة وحفظ فيها الماشية المنهوبة. أما الرعاة فعادوا إلى الرس ولما وصلوا منزل أمير الرس حسين العساف في الليل وأخبروه بما حصل لهم وكان شجاعا لا يرضى بالضيم أمر خدمه بأن يقرعوا طبول الحرب بقصد تنبيه الناس لما حصل. فاجتمع له أهل الرس ومن حولهم من القرى مثل الرويضة والقصر والشنانة والقوعي ومن حولهم، ثم سار بهم يقصّون أثر الماشية بالنهار ويتتبعونها بالليل بما يوقدونه من حطب في وعاء كبير ربطوه بين راحلتين. ولما وصلوا إلى جبل النير وكان الضيط قد بنى بيوت الشعر وحظائر الماشية أطلقوا عليه نار الفتيل ففر هاربا ومن معه تاركا ما كان جمعه من أنعام، فاقتاد الأمير ومن معه من الناس ماشيتهم ونشوة النصر تملأ نفوسهم حتى وصلوا بها إلى الرس.
وقد تحدث الشاعر عن تلك الغزوة فقال:
يا سلام على شيخ لنا شاعت أذكاره     ردة تسمع بها كل الخلايق ونوحيها
يوم جانا عدال الضيط بوقان باعثاره     عاديا في غنمنا جارها من  مفاليها
خيّب الله رجاه وشبت النار بإحضاره    مالك الله  يعود لها  ولا يعتدي  فيها
جوه  ربع  إلى  تلووا  على  أوكاره    كان إذا وخذت غنمنا مالك الله نخيلها
العدو نلحقه لو هو على ضلع سنجاره   فوق  هجن  هجاهيج  بعاد مماشيها
فوقهن  كل  قرم  بيده  كل   غناره      الموارد    بعيدات   مراميهــــا
يا صبيان الحزم يا قتخان الأيدي بكم شارة    هزمت الجمع يوم النار ما أحد يواليها

الرس فس الشعر.

الأشعار التي قيلت في الرس:
ورد اسم الرس كثيرا في الشعر سواء منه القديم أو الحديث، والعربي والشعبي، وسوف نورد ما حصلنا عليه من ذلك ما يلي:ـ
قال عامر بن عمرو الحصني ذاكرا الرس مع العبيل (العبلاء) وهو مرتفع من المرو يقع شرق الرس وبجوار وادي عاقل: ـ
بسهلة دار غيّرتها الأعاصر          بترواحها، والعاديات  الأباتر
قطار وأرواح فأضحت كأنها          صحائف يتلوها بملحوب دابر
وأقفرت العبلاء والرس منهم         وأوحش منهم يثقب  وقراقر
وقال بدر بن مالك بن زهير يرثي أباه الذي قتل في حرب داحس والغبراء التي وقعت في جبل خزاز جنوب الرس وقرب دخنة (منعج):ـ
ولله عينا من رأى  مثل  مالك        عقيرة قوم، إن جرى فرسان
فإن الرباط النكد من آل داحس       أبين، فما يّفلحن  يوم  دهان
إلى أن قال:ـ
أحل  به  أسْ   جُنَيْدِبُ  تذره        فأي قتيل كان في غطفان
إذا سجعت بالرقمتين  حمامة         أو الرس، تبكي فارس الكَتَفَان   
وقال زهير بن أبي سلمى ذاكرا الرس والرسيس وعاقل:ـ

لمن طلل كالوحي عاف منازله       عفا الرس منه فالرسيس فعاقله

وقال زهير أيضا واصفا الضعائن حول وادي الرمة:ـ
بكرن بكورا واستحرن بسحرة        فهن ووادي الرس كاليد للفم
وقال كعب بن زهير يصف حمار الوحش متجها نحو الرس فصده عنه قوم فتوجه نحو وادي السليل:ـ
أتى دون ماء الرس باد وحاضر            وفيها الجمام الطاميات الخضارم
فصُدّ  فأضحى  بالسليل   كأنه       سليب  رجال  فوق  علياء  قائم
وقال الحطيئة ذاكرا عدة مواضع هي: الرس والعلياء وبرك وواسط :ـ
عفا الرس والعلياء من أم مالك      فبرك فوادي واسط فمُنيم
تبدلت  الحقب  القوافل  كالقنا       لهنّ بغُلاّن الشُرَيف نَحِيم
وقال وزير بن عبدالرحمن الأسدي من القرن الثالث الهجري:ـ
أيا كبدا  ماذا  ألاقي  من  الهوى     إذا الرس من آل السراب بدا ليا
ضمنت الهوى للرس في مضمر الحشا    ولم يضمن الرس الغداة الهوى ليا
أعد  الليالي   ليلة   بعد   ليلة            للقيان  لاه   ما يعد  اللياليــا
كما قال لبيد بن ربيعة وهو يذكر قوما بادوا على كثرتهم في الرس وعاقل ومنعج وخزاز:ـ
ومصعدهم كي يقطعوا بطن منعج     فضاقت بهم ذرعا خزاز وعاقل
فبادوا فما أمسى على الأرض منهم     لعمرك   إلا   أن  يُخَبر  سائل
كأن لم يكن بالشرع منهم طلائع           فلم ترع سحا في الربيع القنابل
وبالرس  أوصال  كأن  زهاءها            ذوى الضمر لما زال عنها القبائل
وقال أحد الشعراء موجها قوله إلى بني أسد سكان الرس قديما، وقرن الرس مع البطاح ومنعج:ـ
بني  أسد  إلاّ  تنحُوا  تطأكم             مناسم حتى تُحطموا وحوافر
وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا             مياه  تحامتها  تميم  وعامر
ومانام ميُاح البطاح  ومنعج             ولا الرس إلا وهو عجلان ساهر

وكذلك الخنساء تقول شعرا في أخيها صخر وذكرت الرس مقرونا بعاقل:ـ

وكانت إذا لم تطارد بعاقل            أو الرس خيلا طاردتها بعيهما

وكان ثمال الحي في كل أزمة      وعصمتهم والفارس المتغشما

وقال لبيد بن ربيعة العامري :ـ

            وبالرس أوصال كأن زهاءها        ذوي الضمر لما زال عنها القبائل
وقال لبيد بن ربيعة وقد ذكر الرس بالتثنية أيضا:ـ
تربعت الأشراف ثم تصيفت          حساء البطاح وانتجعن السلائلا
تخير مابين الرجام وواسط           إلى سدرة الرسّين ترعى السوائلا
وقال أحد الشعراء على صيغة الجمع من الرس ولعله يقصد الرس وماحوله من المواقع:
ألا ياركيات الرسوس على الهوى    سقيتن هل لي عندكن شجون
وقالت امرأة من بني سليم تتشوّق لمحبوبها:ـ
وإن امرأ أمسى ودون حبيبه         سواس فوادي الرس والهيمان
لمعترف بالنأي  بعد  اقترابه         ومعذورة  عيناه  بالهملان
وقال شاعر الحرب بالرس ابراهيم بن دخيل الخربوش مفتخرا بجماعته أهل الرس:
والله ما جينا من الرس عانينا       إلا ندور الحرب  يا للي  تدورونه
من يوم سرنا والمنايا تبارينا        واللي ورد حوض المنايا تعرفونه
من يوم سرنا والمنايا تبارينا        واللي ورد حوض المنايا تعرفونه
وقال الشاعر سرور الأطرش من الرس مشيرا إلى المكان الذي تقطنه محبويته:
يا صاحبي عنه القشيعين من غاد    في ماقع ما هوب همج شرابه
بايمن حزوم الرس  بمقلط  الواد     سقاه  من  نو  الثريا  سحابه
وقال محمود شكري الألوسي عندما زار الرس وأعجبه عليلها:ـ
هي الرس ما أحلى لدي من الرس    بها كل ما أبغي وما تشتهي نفسي
ولو  أن  ميتا  في  بريدة   جاءه    من الرس من يدعوه قام من الرمس
وقال الألوسي كذلك:
على الرس من أهل القصيم سلامي   فإن  رباها  بغيتي  ومرامي
فإن  رباها  نصب  عيني  غدوة     وإن نمت وافتني بطيف منامي
وقال كذلك:
إذا  حن   نجدي   لنجد   فإنني           إلى الرس من أهل  القصيم حنيني
وإن نفحت من جانب الرس نفحت    حبوت  إليها   واستهلت  جفوني
فيا رب عجل بي إلى الرس أوبتي    وأقرر  بمغناه   الخصيب  عيوني
وقال الشاعر محمد المسيطير مرحبا بخادم الحرمين الشريفين عندما زار الرس:
لقاؤك في القصيم هوى وَوِدّ         ووجهك مشرق الطلعات سعد
وهذا  الرس  يغمره   لقاء           بمن  أوفى  وأعطى  ما يَعُدّ
وقال الشاعر صالح العوض:ـ
يا ربى الرس فيك طاف خيالي       زاهر النور زاهدا بالقوافي
وقال أيضا مرحبا بمن زار الرس:
هذه  الرس  تنتشي  خيـلاء        أزليا  وتستدر  مزونه
فهمى الودق ناشرا في ثراها         أقحوانا وأرجوانا ولينه
وقال الشاعر عبدالعزيز النقيدان من شعراء القصيم المشهورين قال في الرس قصيدة جميلة نقطف منها ما يلي:
أكبرت فيك مواقف الشعراء          وزهير يشدو حول نبع الماء
وعلى ضفاف الرس ألف قصيدة          وعلى الرسيس قوافل النجباء
يتوهج الرمان في أعراسها           كتوهج الخدين  في  الحسناء
يا طفلة الصحراء يا مجدا سما       يا قصة  الأمجاد   والعظماء
فمن  الجمال  قصائد  ومواقف       في الرس هزّت خافق الشعراء
أزهرت يا حسناء في درب الوفا            والرس  موطن  عزة  ووفاء 
وقال الشاعر إبراهيم العطني متغنيا بحب الرس:
يالرس حبك ساكن وسط جاشي            جفن غطا والجفن الآخر لك فراش
وعندما احتفلت الرس بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة وحضره سمو أمير منطقة القصيم ومعالي وزير المعارف ارتفع صوت أهل الرس بعرضة نجدية ألف كلماتها الشاعر إبراهيم العطني بقوله:
يامرحبا بضيوفنا اعداد وبل الغمام   واعداد حزم سايل بالرس وشعابها
من يوم أبو محمد نصانا مع وزير همام   ألف هلا وترحيبة بالضيف يعلا بها
كما جادت قريحة الشاعر بعرضة نجدية عندما تفضل صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز بزيارة الرس عام 1419هـ مطلعها:
يامرحبا ترحيبة بالشيخ ولد الإمام   سلطان أبو خالد عقيد الحرب رجالها
يامر حبا بك عد ما هلت ثعول الغمام    واعداد ما سالت حزوم الرس وسهالها
وفي تلك المناسبة صدح الشاعر العقيد الدكتور فهد بن محمد النفجان من الرس بقصيدة جميلة باللغة العربية استهلها بقوله:
أيا رس تيهي بالدلال وفاخري        يزينك عيد باسم ومفاخر
ثم قال:
ففي الرس أفراح وفيها مظاهر       لحب  كبير  في  مداه  نفاخر
إلى رجل الأفضال والنبل والندى            صَدوقٌ وَفِيٌ حازمُ الأمر ظافر
هذه بعض الأبيات الشعرية التي نظمت في الرس من شعراء الماضي والحاضر ولو أردنا استيعاب كل ما قيل في الرس من الشعر لطال المقال.